عزيمة
بعد أن زحف على تلك الرِّمال التي تزيّنت باحمرارها ساعةَ الغُروب، غُروبٌ سيشهده الطفل وقد استوت قامته للمرّة الأخيرة؛ فهذا المكان _شاطئ الزئبق_ زيارتُهُ أوّل وآخر مرّة، فَتَّشَ الجُيوبَ المُحْرِزَة.
على كثرة تلك الجيوب _التي يُصِرُّ والِداهُ على كثرتها إمعانًا في تزويده باللُّعَبِ والألوانِ وما تبايَنَ من أصنافِ السّكاكِر_ وجد سُهولةً في اقتناصِ الورقة، فهو يذكر أنّه قبلَ أن يَفِرَّ للشاطئ قد أحرزها في جيبه الأقرب لِعُنُقِه.
وبِحُكمِ امتلاءِ كفّيهِ بِ"بَرَدِ البحر" _وهي التسمية التي يُطلِقُها على اللُؤلُؤ_ فقد زَمَّ مخبأ الورقة بشدّة حتّى استُخلِصَ ما أُريدَ لهُ الاستخلاص.
مُتَناسِيًا أنّ للجُيوبِ أزرار، إذ "روحُ قلبِه" كامنة في عض وتخريب الأشياء كما يشهد الوالد وتشهد الوالدة.
لا محطّات توقّف أخّرت الورقة عن أن تَدلُفَ نحو زجاجة انتقاها حديثُ السِّنِّ من القمامة النّادر وجودها في شاطئ راقي كشاطئ الزئبق، وامتدادًا لذلك فقد أودِعَت اليَمَّ الذي دلف الطفل إليه بِشوق.
ولمّا كان البيت بالنسبة إليه كالصدفة عند المدرّعة، جزءً لا يتجزَّءُ منه، طفق يعكس الخُطى حتّى بلغ منتهى المَسير، فَما كان منه إلّا أن دَلَف إليه.
وإلى حجرته المتوسطة دَلَفَ، وراح يكتب من جديد وينسج من الحبر خيوطًا لمخطوطة. مربعات، أحيانًا يَزَلُّ القلم فيقلبه مثلّثًا.. وبعض الحين يستقيم الخط وينحني بحركة لا إراديّة. أَتُراها قبضته المُرتجفة أم الطاولة التي لا تنفك تتخبّط أعلى وأسفل لافتقارها لساق خشبية؟
لِلعِلّيّة دلف، مِثل محققي المباحث داهم ساقًا خشبية احتجبت خلف سِتارة أعياها الغُبار حتّى تشقّق نسيجها الحريري. تناولها، على مضضٍ أصلح الطاولة. ربّما هي أوّل مرّة يُصلِح شيئًا.. ولأن المُصلِح بما أصلح خبير، فقد اهتم بما فيه الكفاية ليُسجّل في ديوانه المحمول أنّه، بالرغم من كل التحديات، قد أصلح غرضًا ما.
كان ذلك الإدراك بِذرةً هوائية لعاصفة إدراكية بدأت تنجلي شيئًا فشيئًا حتّى هَوى الشاب على ركبة يتيمة. وبدأ يتذكر كلمات.. كلمات كثيرة.. كلام الدكتور سيلو -أشهر دكتور أعصاب محلّي- وهو يُواسي والده الغاضب -والذي بدوره يواسي زوجته الحزينة-
بعبارات الأمل وأسطوانتها المألوفة: هناك أمل بأن يكون علاجه يسيرًا.
وتعليمات الوالدين: لا تنبس ببنت حركة واسترح قدر المستطاع، فبهذا تُعالَج!
لكن العلاج لم يَعِده، وحرمه ضعف الأطراف من تمزيق الورقة، لا حاجة له بها بعد أن أصلح شيئًا. فقد كان حلمه من عتيقِ الزّمن أن يدلف ناحية مهنة الفنّيّ، ويعبثَ بالأعطال محوّلًا إيّاها لأعمال.
على أن المصير عاداه، فباتَ حلمه على الأقل أن يُصلِح ولو غرضًا مُفردًا.
دَلَفَ من بيته الخالي -الوالدان في جولة للتعرف على أطبّاء أنجع من أنجعهم- إلى نهر الميسيسيبي بُغيَةَ استنشاق عبيرٍ نقي وتدليل بصره بهذا النهر الذي كثيرًا ما تغنّى به في صِغَرِه وهو يقرأ بنهم قصصًا ورواياتٍ قصيرة.
إنه في خضم التجوال الحزين لا يكاد يُطفِئُ لهيبَ الحزن حتّى يلمح زجاجةً برّاقة استهوته، وهو ممن لا يسترعي انتباههم بياضٌ في سواد (أو سوادٌ في بياض، ما الفرق؟).
إليها وَلَجَ سابِحًا. لسان حاله يقول بعد أن فضَّ مُحتواها، وهي ورقة كُتِبَ فيها حلمه عندما كان طِفلًا مُغادِرًا المهد:
"كيف طار حُلمي معي، أهي رِياح الشرق سلّمته بحنانٍ لِمياهِ الغرب؟".
يداه ترتجفان لكن إيمانه قوي بأنه حقق حلمه، وبأنه أصلح شيئًا.
ملاحظة: ابتداءً من الفِقرة الرابعة تبدأ حِقبة الشباب لدى الطفل.
إنها تصفه بعد مرور سنوات وهو في وضع مجهول عاد فيه للمنزل في دولة مختلفة (نعرف أنها الولايات المتحدة لأن عودته كانت من نهر الميسيسيبي). هذا ليس امتدادًا للفِقرة الثالثة، وأملي أن يكتشف القارئ ذلك من خلال التوغل بالفِقرات التالية.
واستزادةً بالملاحظةِ أُشيرُ لأن تكرار الفعل "دَلَفَ" مقصود، ففي الشعر نجد ميزة تدعى تكرار الحرف، وعلى هذا المبدأ نبتدع تكرار الكلمة في القصة.