بالسّاديّةِ مسكون

خلف الأسوار الموغلةِ في عِتَقِها وَوُحشتها للقاطِنين، توجد أسرةٌ هي آحادُ أُسَرٍ كثيرةٍ اكتنفتِ الغابةَ وأحالتها قريةً كالمدينة.

وكان لهذه الأسرةِ قطّة بهيَّةٌ لطيفةٌ، فروها أملسٌ كأنَّهُ الرّملُ إذا ابيضَّ وبأحلى الطّرائِقِ صُوِّر.
يَسُرُّها شحذ المخالب وتكشيرُ الأنيابِ، ولا يُضنيها العَدْوُ في أرجاءَ متفرّقةٍ إمّا لِتُطارِدَ وإمّا لتقتلَ مللًا تلدهُ الوحدة.

وفي كِلْتَيِ الحالتينِ، يصير البيتُ جنازةً حقًّا ومجازًا، مغمورةً بأشعّة الشمس الذهبيّة تارةً، وبِسُكونِ الدّامِسِ تارةً أخرى.

صبيحة كل يوم، يترك عالِم الحيوان "جوترو" مخدعه ويتّجه مباشرةً لمكتبه، يدوّن، في سبيل ورقة بحثه التي سخَّر لإتمامِها حياته، نظريات جديدة تدحضُ "السلوك السادي عند الحيوانات"، سواءً استمدّها من أحلام يقظته ومنامه (ضوراي وكواسر تنهش العظم قبل اللحم، علاجم تتراقص مع التماسيح...) أو من نظرات الحَمل الوديع التي يُغدِقُها على الجار ومُجاوِرِ الدّار.

ولِذلكَ سبيل، أن يُقنع نفسه، قبل زملائه المشكّكين، بأنّ السّاديّة خاصّيّة إنسانيّة خالصة ولا باعَ للحيوانِ بها.

ولم يحتَج في يومٍ أن يُقنِعَ ذاتَهُ بشيءٍ، ذلك أنَّ العالِمَ بأيِّ مجالٍ يدركُ أكثرَ ما يُدرك أن لمجاله قناعاتٍ وثوابت.
على أنَّ الحبَّ يدعو دومًا لخلق الأعذار وإيجاد المُسَوِّغات، وهذا تمامًا ما اضطرَّهُ لتحديثِ السطر رقم 94 في مستند الجمعيّة العامّة للدراسات الحيّة:
قطّتي الأليفة ورغم سلوكها المُفرِط في عُدوانيّتِهِ في صيد الفئران، قص أجنحة الذباب وإغلاق جحور النمل بالشمع، تطوّرُ حاسّةً ذكيّةً لا غير.

ولمّا فرغَ من تبرير تصرّفات الهرّة، أخذ يتسائل... أمِنَ النّزاهةِ استبعادُ السّاديّةِ عن من قام بما سُوِّغَ بالذكاء؟
أوليس الذكاء هو لُبُّ القسوة؟ ولِجنابي في حيتان الأوركا المُلاعِبة لفريستها والدُّلفين الجائر في افتراسه بالأمواجِ آيات.

تبلورت عادته عندما يواجه هكذا مغالطات أن يترك نسيم الخريفِ يُعينُهُ على تحليلها، لذا فقد همَّ بالتجوال علّه يجد الحل بهذا المِنوال.

لكنَّ صرخةً مُباغِتَةً من الخادمة جعلته ينسى التجوال والمنوال، وأقعدته كبريائُهُ منتظِرًا، فمن المعتاد أن تُتْبَعَ الصرخة بِهَرَبٍ وتُتْبَعَ ثانيةً بِصاحِبِها شاكِيًا رَعْبَتَهُ لِسَيِّدِ المنزل.

ولم يخِب هذا البروتوكول، إذ ما هي إلّا ثوانٍ حتّى جاءت الخادمة وفي جُعبَتِها خبرٌ كفيلٌ بتغيير النُّفوس!

- مقبرة جماعيّة للجرذان والدِّماء تعمُّ الباحةَ يا سيّدي!
- أفلِتي الباحة، سأتولّى أمرها.
- حَسَنٌ.

وانطلقَ جوترو يَجُرُّ معهُ أذيالَ العَجَب، الخوف والرهبة من تَيَقُّنِ الشّكِّ.

إنتصَبَ أمامَ جثث الجرذانِ النافقة، بالأحرى المُشوَّهة، وأين النُّفوقُ من طعجِ الظُّهور ونزع العيون وإملاقِ الأجسادِ للذيول.

"طفح الكيل والسّيلُ قد بلغ الزُّبى!"
"كيف يستتر الجمال بالقسوة!"
"سأستعينُ بالعدو الطبيعي لهذه الملعونة!"

خواطرُ لفّها الصّمت وهو مُطبِقٌ أمامَ مشهدِ جروٍ لم يفتك به الموت، بل صارعه برأسٍ مشوّه ليستسلم له أخيرًا.. وأخيرُه بدايةُ ترجمة الخواطر لفكرة نهائية، ألا وهي ابتياع سلحفاة ضخمة تأوي الفئران تحت صدفتها وتصد أذى القطة.

وعلى هذه الترجمةِ راح جوترو في سبيله، شاعرًا بأنُّه مخلِّصٌ يغشى الملاحم.

في الممر، صادَفَ "كْلِنتا"، حيوانه الذي كان -ولا زال- رغم الطِّباعِ محبوبًا لديه، غيرَ أنَّهُ لم يُرَبِّتِ التّربيتةَ العَفَوِيّة بل مضى بملامح صارمة. ربّما كَرِهَ منظر الدم على مخلبها، والأزيد أنّها تلعقها كالمصّاصة بلا حَرَج، وبالقريحة، يُعلَمُ أنها غُرِزَت بمناطق غير حيويّة عمدًا.

لكن كل ذلك سيتغير قريبًا!
الحيوانُ في عُرْفِ عالمِهِ أنبلُ مقامًا من دناءَةِ العنفِ غيرِ المعقول.

وها قد غاب عن الأنظار، تارِكًا كْلِنتا سارِحَةً في ذِكرى سوداويّةٍ دابِرة: تلك الفئران الظريفة أمِلَت عن حق وحقيق بالثورة والإنقلاب ضدّي! يا للبجاحة، أقلَّهُ صاروا في قبر جماعيّ مِعَوِيّ!

تمدَّدت وصوّبت تفكيرها صَوْبَ مالِكِها ونواياه، فهو لا يرضى بِفعلتها. على الفور، تحوّلت القطّة -بالأصح الروح الحبيسة- لخادمة بشرية، وانتقلت آنِيًّا لِعَتَبَةِ الباب.

جوترو (يَهُمُّ بمغادرة المنزل لكنّه يلمح الخادمة فيتراجع مذعورًا): فاجَئتِني!

الخادمة: (تتصنَّعُ الضعف والقلق) ليس في مقدوري القرار بقرب المجزرة!

جوترو: (مُطَمْئِنًا بِوِد) ذلك من أفعال الهِرّة كْلِنتا، لا بأس، سأشتري سلحفاة عملاقة من شأنها حماية الفئران..
صحيحٌ مزعجةٌ هي، لكن الفتك بِها بهذه الصورة أكثر إزعاجًا.
أمّا المكان فقد نظّفتُه. عودي للدّوريّة. (يُغادِر).

مَضت الليلة، إنقشعتِ العتمة وعاد جوترو يقودُ بِيُمناه سلحفاة عملاقة عامِرة. وكان أوَّلُ ما تبادر إلى ذهنه تعويدها على ترويض القطّة، فَطَفَقَ يُنَقِّبُ عنها مُنادِيًا بالإسم وال "بس بس بس بس".

وانقطع النّداءُ أوَّلَ ما التقطت أذُناهُ خطواتٍ قادِمَةٍ من البهو.
عندئذٍ، هَيَّأَ إشارةَ الإستعد-ركض-إنقضاض كما أرشده صاحب محل السلاحف المدرّبة.

إلّا أنَّ الإشارة تلاشت عندما كشفَ الدِّهليز عن قدوم الخادمة.

جوترو: صحيحٌ أنّي أُدلِّلُكِ أحيانًا باسم "قطقوطتي الصغيرة" لكنَّ هناكَ فرقًا بين المجاز والحق.
أبحثُ عن كْلِنتا ليردعها "صخر" سلحفاتي الجديدة.
أخبرتكِ بذلك قبلًا.

الخادمة: (مُكَفْكِفَةً العَبَرات) نعم، جاهرتَ البارحة بنواياك لمنعي من هدفي في الوجود!
أنتَ أكثرُ بجاحة من الفئران!

وكأنَّ الطيرَ على الرؤوس، ما عدا صخرًا طبعًا فهو متقوقعٌ لا يدري من هالةِ المكانِ مثقالَ ذرّة.

أمّا العالِم فوقع على رأسه النورس واللقلق وبدأ يتراجعُ مرتاعًا مشلولَ الكَيان.

جوترو: (مستعيدًا الإدراك) إذن أنتما واحد! لا غرابة تعلو غرابَةَ إسفنج البحر وصاحب أقوى اللكمات في عالَمي! ال "مانتِس شْرِمب"..
المهمُّ أن الحيوانات بطبعها ليست ساديّة!

الخادمة: جميل! أجهزْتُ على أسرتكَ فردًا فردًا فيما كنت ولا زلتَ مهووسًا بِتَرديد جملة..

جوترو: (مُكمِلًا عن غير قصد) الحيوانات لا يمكن أن تكون ساديّة! (يَهُمُّ بالتوجُّه لمكتبه فتُكبّلُه الخادمة بِطاقة عجيبة)
الخادمة: (بتهكُّم) بل يمكن أن تكون!

صخرٌ المِسكين أبرزَ رأسه إثرَ الجَلَبة فإذا بِهِ يتلوّى متلوِّنًا بلونٍ أرجواني.

الخادمة: (وقد تحوّلت لقطّة) البطئ من أعمدة العِقاب، ومثلما عذّبتُ عقله بِتَلَكُّئ كي أُخضِعَهُ لأسلوب العيشِ الأنجع، فسيلتهمك صخر بِبُطْئٍ حتّى تفنى كالنّسي المنسيّ!

ودوّت في ذلك اليوم قهقهاتٌ ممزوجةٌ بِمُواءَ يختلطُ بعبارةٍ يائسة:
"الحيوانات لا يمكن أن تكونَ ساديّة".




المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عزيمة

مادّة اللون الجديد