مسابقة الآليين

"تخيل فضائياً يُحيل السُّدُمَ موادَّ عضوية تمده بميزات تشكلية، فيصبح على إثرها سفينة فضائية من أعضاء ممددة!"
قالها متحمساً لزميله المتململ الذي أبدى الإعجاب مشيراً:
مثله كمثل النباتات، ضوءها طاقتها.
-لكنه ليس نباتاً، وبيت القصيد ليس الضوء إنّما المواد العضوية التي تستهلكها النبتة كمواد غير عضوية.
-وكيف السبيل إلى ذلك والأول حي والآخر آلة؟
توقف طارح الفكرة لثوانٍ خالية من القنوط قبل أن يجيب:
الإستلهام.. الإستلهام هو العنوان.. رِ كيف تتشبّه الطائرة بالطير، وكيف تتطبع تصاميم المستحدثات بطبائع الأول من المخلوقات.
لم يطل النقاش، فالجرس رنّانٌ أعلن رنينه نهاية الحصة الأخيرة، والتي ما لبث أن غادر الإثنان غرفتها. 

كان الشغل الشاغل لدى "دَليد" هو مسابقة الآليين، منافسة حديدٍ يفل الحديد، فالإدارة توصّلت إلى أن المسابقات ستكونُ خيرَ مشجّعٍ على العمل والإبداع. ولم يجد بُدًّا من المشاركة، إذ أنه يعتبر التجارب الجديدةَ مغامراتٍ لا مبرّر لتجاهلها.
إتّخذ مجلساً وبادر بتجميع القطع مع بعضها، حتّى تشكّلت أمثولةٌ غير متناسقة. أعاد الكرّة حتى صارت كرّتين فثلاثاً والتناسق لا يجيء.. وبين كل محاولة وأخرى تتشكل معضلات جديدةٌ لا إنجازات. "وهَلُمَّ جرًّا.." كانت عِبارةً حاضرةً بعدما ابتدع أساليباً جديدة للتطوير، فكرةٌ تكون هي الأساس، تتمحور حول محور النّفع والإفادة. نعم.. فَعِوَضاً عن قنابلَ مميتةٍ تنفث اللهيب، ذُخرُ عَتادِ الآلة يجب أن يكون قنبلةً غاصَّةً بموادَّ متفاعلة مع النارِ تطفئُها! وهَلُمَّ جرًّا نحوَ رصاصاتٍ تنطلقُ نحو إعصارٍ فإذا بِها تُثقله وتسوّي به الأرض. وهلمَّ جرًّا صوبَ المناشير الحادّةِ تخترق المعدن لا لتقضي عليه بل لِتُصلِحَ، بشفراتها الحادّة، ما احتواه.
وهلمَّ جرًّا.....

بحزمٍ عازمٍ دخل، واستلَّ الآلي ذو العجلات، وأودَعَه الحلبةَ رَمْيًا.
المباراة الأولى فيها انتصر، بقنبلةٍ جعلت نيرانًا تُصوَّبُ ضدّهُ سائلًا انزلقت عجلات غَريمه المُطلِق لها. قطعًا أُرْدِيَ السِّلاحُ واحترق من بعد أن سقطت الآلة التي تحمله، معلنةٍ هزيمةً في لمح البصر.

لم تَشُذَّ المباراة التالية والتي بعدها عن القانون. أسلحة فتّاكةٌ تُرمى بقصدِ التحطيم والتدمير، و"درعٌ هجومي" يتصدّى لها مهاجمًا بالنقيض، ينطلقَ من آليٍّ يهرعُ بعجلاته في الأرجاء.

لم يترك ذلك مجالًا للشك لدى أعتى المشكِّكين بأن الآليَّ "دلوت" هو الغالب والظافر بالكأس.
شكوكٌ عادت من جديد لحظةَ بدء المباراة النهائية.
الفيصل بينه وبين البطولة نِزالٌ أخير.. ضدَّ زميله الذي ناقش معه فكرة الفضائي.. ما تذكَّرَ أنه نسي فكرة الفضائي والمواد العضوية إلّا لأنه سيواجهها متمثِّلةً بآليٍّ بناهُ زميله. ولم تكن ثمّةَ من بغضاء بين الاثنين، أو حتّى حِدّةُ التّنافس.. بزغ ذلك بعد أن أدلى الزميلانِ النّكات والملاحظات الساخرة من قبيل:
"من الجيّد أنك لم تواجهني بمزهريّة!"
"بل من الجيّد أني وصلت لهذا المآلِ وأنا الراسب في الفيزياء!"
"وما دخلُ الفيزياء؟"
"كيف لا يكون لها دخلٌ وشقلبةُ الخصوم والإطاحة بهم اختصاصي؟"

لم يكن الزميل يمزح بهذا الشأن، فقد وصل للنهائي بعد أن أذاق المنافسين أصنافًا وألوانًا شتّى من الهزائم، فبين من طار ووقع وأُلقِيَ خارج الحلبةٍ تعدد المهزومون.

جرس البدايةِ رنّانٌ أعلن رنينه بدء المباراة.
بادر "دلوت" على غير العادة، وبأمر من جهاز التحكم عن بعد، بالهجوم فارتطم بنظيره الذي لم يبدو عليه التأثر.
والتأثر حتمًا لم يبدُ على "دلوت" كذلك غير أنّ النزال يميلُ لكونه مستعصيًا.

تراجعَ بِتؤدةٍ ثم أظهرَ قنا داخله صاروخ! والصاروخ بالتأكيد لم يكن ظاهِرًا للجمهور من التلامذة المصفّقين لروعة الأداء.
إن لم يفي الارتطامُ بغرضِ الإضرار، فطعناتُ الرُّمحِ عليهِ بِمِدرار*
لِهذا اعتبَر النِّد، فما كان منه إلّا أن يفعّل وضع السفينة.
وبالفعل، تحوّل الآلي من شكله الغريب الموحي بكائنٍ فضائي إلى شكلِ سفينةٍ فضائيةٍ ما لبثت أن هرولت بسرعةٍ نحو "دلوت" فاصطدمت به بقوةٍ أجبرته على التراجع أمتارًا للوراء.. وفي حينٍ اجتمعت احتمالات الفشل وانقضّت على الفتى تاركةً إيّاه في حيرةِ الصّنيع، عنّت له فكرة تزامنت مع نهوض آليّه بشكلٍ مفاجئٍ تبعه تعليقُ المعلّق:
"مستحيييييييييييييل! ليس فقط أنّه لم يغادر الحلبة مرميًّا، بل نهض من جديد ورمحه ثابِتٌ لم يقع!"

شغَّل الحاسوب، برمج وأصدر الأوامر الكتابية إلى "دلوت".
نفّذَت كتلة الحديد ذلك، بالقنا ألقى في الفضاء، تسلَّل الصاروخُ منه والمشاهدون مشدوهون يُدارون الوقوفَ بِجُنون، وقام بركلةٍ مقصّية كرويةٍ قادتِ الصاروخ في مسارٍ أطاحَ بجانبِ المركبة الفضائيّة، تاركًا إيّاها نصفَ مقلوبة.
مع مرور بعض الوقت، تعطّل الجانب السليم أيضًا نتيجةً للضّغط
فأصبح كالمغناطيس الموضوع على جانبه المعطل، الجانبان الآن سِيان.

تقدَّمَ المنتصر خطوات ثم تتابعت حتّى باتت قفزًا ألقى بِحمله، قنا حادُّ الطّعن، على الخاسر.

أُعلِنَتِ النّهاية واعتُلِيَت منصّة الفائز في جوٍّ من الاحتفال والثناء. المدرسة كُلُّها حاضرة بمعلِّميها وطلّابها.
تصافح المتسابقون واعتلى الفائز المنصّة مخاطبًا:
"أشكر الحضور.. من البديع أن نعمل ونُنجز ونبتكر، وفي سياق المعارك، وهو سياقٌ فيه من الخطورة ما فيه، تجب الرزانة.
وليس السعي وراء الشر هو المطلب، ولا العنف هو المكسب.
إنّما التوازن يجب أن يسود.. فالآلي الخاص بي مبرمج على البناء، حتّى أن الصاروخ الذي أُطلِق لم يسبّب سوى موجة اهتزازية طفيفة أدّت لإخلال توازن الخصم.. وكذلك، طعنات الرمح كانت عنيفةً جُلُّ مسعاها أن تحطّمَ. أمّا القنابل فقد حوّلَت النار إلى سائلٍ آمن عبر سلسلة تفاعلات.
إنّ دحرَ العِدا بكل الوسائل لَواجِبٌ".

وسادَ التصفيق.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عزيمة

مادّة اللون الجديد

بالسّاديّةِ مسكون