هِمّة بين نافذتين
خلف طوبٍ شكّلَ باباً أُحيطَ بالغيمِ وشديد الرياح قبعَ رجلٌ تموضع على سجّادةِ منزله الطائر.
مغامرٌ للسماء متأمل ولجموع أفكاره منظّمٌ محتار. إنه الضياع والطموح معاً في جسد، بيدرٌ من بيادر أطروحاتِ بشرٍ هوى اعتناق النسيم، هواءً كان أم ومضةَ عاطفة، وأبى أن يغدو دِكّاً لجحافلَ جوارح غازية تُبدِلهُ قابلاً للهوان.
كان في رحلة، لا مقتصرة على طريق الجو فحسب بل على ذاته؛ فقد دأب على إتمام واجبه الديني كَمخلوقٍ، وعلى واجبه الأكاديمي كأستاذٍ جامعي، وقبل هذا وذاك كان ديدنه التطبع بطبائع الطيب من النهج.
هَفهفَ صوب طموحٍ كبير تمثل في نبش العلم، نصرة المظلوم وبطولةٍ يكون بطلها، يدافع تارةً ويهاجم تارةً.
ولم يكن خليلاً للحزن عامّةً، إنّما تبدُّل الأحوال يقلب البسمةَ ةمسبال.
في حالته، لم يكن فقداناً لمنصب أو ضياعاً لنفسه، وإنّما العلّة دخول أقوامٍ محتلّةٍ حفّزت جُبنه لبناء منزله الطائر، فإذا به فارٌّ هارِبٌ.
ولو أن حاله الحالية كانت سيدة الموقف، لأحالَ النفاثات مدافع يُكُرُّ بها العدو ويسربله دماً.
فالشجاعة عنصرٌ جديدٌ ناله بعد مغامرات البرّ والبحر.
بينما فضائي، وهو لقبه الذي لقّب نفسه به، يتقلب ذات اليمين وذات الشمال مجاهداً التعب وسائلاً السكينة، أسدَلَ الاستسلام للنوم ستاره على مكنونه.
ما منعه أن يغط في نومٍ إلّا عاصفة هوجاء أخذت بالاقتراب حتى وصلت البيت ملاحقة إياه كأنما هي ضرغامٌ انقضَّ على الفريسة.
وقبل أن يتفاجئَ من عاصفةٍ مفترسةٍ، إستلَّ رصاصةً عملاقةً أودعها منتصفَها حتّى أخذت تختفي شيئاً فَشَيئاً.
على غِرارِ محاربٍ انتصر في معركة، أخذ يترنّم الإنجاز قائلاً في نفسه:
"وكأن القرش ذو النابين الحادّينِ والجبل الذي ما ينفك عن الاهتزاز كلما تسلقته ما كانا كافيين ليومٍ واحدٍ من الاستكشاف!
ها أنذا أهاجِم إعصاراً يهاجمني!"
ثمّ نامَ مفردُ الأنام.
المخاطرُ كانت لمنامه غازية، فلا صفاءَ لذهنه حتّى وهو عن عالمه نائم. عدى عدي العادية، هكذا الركض في حلمهِ كانَ.
وكأن هروب أول مرة تكرّرَ مرةً ثانية. هذه المرّة، المُلاحِقُ محتلٌّ، لكنه إعصار، إعصار أشدُّ وقعاً من نظيره المغلوب.. يتحرك بتناغم كأنه عاقِلٌ نوى الإمعان بالمطاردة.
إستمرت حلقة السعي، سعيُ التّحرُّرِ وسعي الشّر، أما النهوض إثر فجرٍ بازغ فقد عَنونَ مقالتهما.
وما كان من فضائي إلّا أن وثب وثباً نشيطاً أتبعه بالاقتراب من منضدة، أخذ يضربها ملتمساً تحطيمها، وكانَ بها.
إن الرمزية لم تكن مستعصيةَ الإستساغة، حُطامُ فولاذ وأيدٍ مُدمَية، عدوٌّ ولهُ نِدٌّ، أو هكذا صوّرَ له خياله.
إنفردَ بِزاويةٍ كانت بمثابةِ عزلة تفكير، وبينما هو يفكر ويفكر ويفكر وعن أسرار المجابهة يبحث، بانَ من النافذة اليمنى شجرةٌ إلى الأعالي قُذِفَت.
لمحها، إلّا أنه لم يُبدِ لها بالاً. فكيف هذا على المُغامِر بِغَريب؟
هكذا أسرَّ في نفسه.. نعم.. هذا ولا شك عادي.
ما كان ليعتبر الأمرَ ذاته بخصوص طفلٍ مرمي في الهواء بانَ من النافذة اليسرى، فأسرع وفتح النافذة ملتقطاً الطفلَ في نهاية الأمر، وما الفرق بين البداية والنهاية إلّا آن.
إستقرَّ فضائي بين حدَّيِ البيت، واستقر الطفلُ مُغمَضُ الجفون في حضنه. وبينما ذلك، عنّت خواطر الشفقة في رأس صاحب المنزل.
خواطرُ تعدّت حال المُضارِعِ.. إنّها الطفولة وهشاشة أفرادها.. وإنها لقوة.. قوة القوى حماية الضعيف.
دفتر القلب دوّن تدوينة: الرعاية مندوبةٌ حدَّ الضرورة.
ترنّحت "المركبة" وسطَ المجهول، ترنُّحٌ ما فقدانُ السيطرة سببه بل الجُموحُ العَمد.
نزل بها كما ينزل النيزكُ على الكوكب، عهدُه أن المكان الذي رُمي منه الطفل ليس بُمبتَعدٍ عنه.
ولما وصل الوجهة، رفع الطفل وصاح بعالي الصوت:
طفل يا ناس! طفل ضائع! أضاعَ منكم طفل!
لا حياة لمن تنادي.. لكن دبّت الأخيرة في عناصر الإجرام، شرطةٌ تتمرّدُ على المتصلين ومحترفي السوء. فهرولوا نحو المنادي سائلين إعادة ضحيتهم، ولم يكتموا كلمة "ضحية" في طلبهم، فحسبهم أنهم يرعبون صنّاع العدالة.
خياران لا ثالث لهما تجسدا؛ الهرب، تكرارٌ وندم، ونزالٌ نتيجته غير معروفة.
أحلى الأمرّين، أو بالأحرى أضمنُ الأمرّينِ الهروب نحو المنزل والعودة لنقطة البداية.
ما هي إلّا لحظات حتّى تسلّلَ عائداً، ومن عتبة الجماد المحلِّق وبّخَ أعداءه:
لن تفلحوا يا ظالمي البنين والشجر!
ورحلت الرحلة في رِحالٍ جديدة، رحالٌ قطعاً أعادته للأرض التي
واجه فيها أعداءً جُدُداً. مع عزيمة جديدة وطفلٍ ربيعه أربعة.
إكتشفَ فضائي غير مصدومٍ أن أعداءه من الفاسدين ليسوا جُدُداً، فهُم من ذاتِ الدولة المحتلة التي نبشت بالتعسّف قبور الأبرياء.
وما كان ليدرك ذلك لولا نسوةٌ فارّةٌ تستنجدُ نجدةً لأعراض أرضِ "لمدران".
"يا رامي، اجتمع بالمواطنين في ساحة وتنحّى بهم، إني سأطلق عنان الشعاع".
نفّذ الطفل الطلب، ولما أُبلِغَ بإشارةٍ أطلقها رامي للسماء، إستزادَ فضائي فعلاً بأن أرسل شعاعاً كيميائياً أبادَ الإحتلالَ عن البِكرة.
عمَّ الفرحُ واحتُفِلَ بالانتصار. ومواكب الناجين تجمهرت حول البطل متسائلين عنه.
كان يريد إعلامهم بأن اسمه فضائي، بيد أنه وجد أنه اسم أناني لا يعالج سوى مهنةٍ وشغف شخصي، وارتأى في أن أمامه فرصة لمهنة أخرى وشغف أنبل.
"إسمي.. طالبُ العلم."