بعد أن زحف على تلك الرِّمال التي تزيّنت باحمرارها ساعةَ الغُروب، غُروبٌ سيشهده الطفل وقد استوت قامته للمرّة الأخيرة؛ فهذا المكان _شاطئ الزئبق_ زيارتُهُ أوّل وآخر مرّة، فَتَّشَ الجُيوبَ المُحْرِزَة. على كثرة تلك الجيوب _التي يُصِرُّ والِداهُ على كثرتها إمعانًا في تزويده باللُّعَبِ والألوانِ وما تبايَنَ من أصنافِ السّكاكِر_ وجد سُهولةً في اقتناصِ الورقة، فهو يذكر أنّه قبلَ أن يَفِرَّ للشاطئ قد أحرزها في جيبه الأقرب لِعُنُقِه. وبِحُكمِ امتلاءِ كفّيهِ بِ"بَرَدِ البحر" _وهي التسمية التي يُطلِقُها على اللُؤلُؤ_ فقد زَمَّ مخبأ الورقة بشدّة حتّى استُخلِصَ ما أُريدَ لهُ الاستخلاص. مُتَناسِيًا أنّ للجُيوبِ أزرار، إذ "روحُ قلبِه" كامنة في عض وتخريب الأشياء كما يشهد الوالد وتشهد الوالدة. لا محطّات توقّف أخّرت الورقة عن أن تَدلُفَ نحو زجاجة انتقاها حديثُ السِّنِّ من القمامة النّادر وجودها في شاطئ راقي كشاطئ الزئبق، وامتدادًا لذلك فقد أودِعَت اليَمَّ الذي دلف الطفل إليه بِشوق. ولمّا كان البيت بالنسبة إليه كالصدفة عند المدرّعة، جزءً لا يتجزَّءُ منه، طفق يعكس الخُطى حتّى بلغ منتهى ...
كان الجري هو النظام، فما عدّت الدقائق القِلال حتّى وصل إلى مختبره المعزول وسط الجِبال. أمّا كيف وصل إليه فالجواب عند مركبةٍ نفّاثةٍ ما لبث أن ركنها في زاوية خاصّةٍ متناءَةٍ. دِكٌّ من عُلَبٍ زجاجيّةٍ يُشِعُّ كلٌّ منها بِرَونَقٍ خاص، هياكل عظمية من أغرب ما كان، وورقٌ مُبعثَرٌ على طاولاتٍ مبعثرةٌ هي الأخرى كانت المظاهر التي قابَلَها، كمُقابلة كل يوم، فورَ دخولِهِ دار العِلم والعَمل. أخذ الباحث يتأمّل كل شبر، لا للفحص بل كي يتدبَّرَ حيِّزاً لِمادَّةٍ جديدةٍ تحمل في طيّاتها لغزاً فريداً... حجرٌ ما كَكُلّ حجرٍ في اللونِ والمَلمَس، إقتنصه أثناءَ مغامرةٍ اختِتِمَت بالسّلامة. بعد أن أزاحَ المُزاحَ ووضّبَ المُوَضَّبْ، ثَبَّت الحجرَ وغلّفه بِصفيحة ألومنيوم قبل أن يعطي للراحة حقَّها. سديلُ الّليل أمعَن في سُترِهِ لِمَبنىً من طوبٍ وفولاذ، سُترٌ لم يمنع هِرَّةً من التّسلُّل عبر نافذة ليس الإغلاق في قاموسها. فأخذت تجول قافزةً تارةً ومتبخترةً تارةً بين الفينة والأخرى. عن حركتها نجم الضّرر، لِحُسنِ الحالِ أضرَّ الهَشَّ من المُعِدّاتِ فَحَسْب. وبعد أن زارت المزار، هربت وهي الغير مُلاحَقة، من ذات ال...
خلف الأسوار الموغلةِ في عِتَقِها وَوُحشتها للقاطِنين، توجد أسرةٌ هي آحادُ أُسَرٍ كثيرةٍ اكتنفتِ الغابةَ وأحالتها قريةً كالمدينة. وكان لهذه الأسرةِ قطّة بهيَّةٌ لطيفةٌ، فروها أملسٌ كأنَّهُ الرّملُ إذا ابيضَّ وبأحلى الطّرائِقِ صُوِّر. يَسُرُّها شحذ المخالب وتكشيرُ الأنيابِ، ولا يُضنيها العَدْوُ في أرجاءَ متفرّقةٍ إمّا لِتُطارِدَ وإمّا لتقتلَ مللًا تلدهُ الوحدة. وفي كِلْتَيِ الحالتينِ، يصير البيتُ جنازةً حقًّا ومجازًا، مغمورةً بأشعّة الشمس الذهبيّة تارةً، وبِسُكونِ الدّامِسِ تارةً أخرى. صبيحة كل يوم، يترك عالِم الحيوان "جوترو" مخدعه ويتّجه مباشرةً لمكتبه، يدوّن، في سبيل ورقة بحثه التي سخَّر لإتمامِها حياته، نظريات جديدة تدحضُ "السلوك السادي عند الحيوانات"، سواءً استمدّها من أحلام يقظته ومنامه (ضوراي وكواسر تنهش العظم قبل اللحم، علاجم تتراقص مع التماسيح...) أو من نظرات الحَمل الوديع التي يُغدِقُها على الجار ومُجاوِرِ الدّار. ولِذلكَ سبيل، أن يُقنع نفسه، قبل زملائه المشكّكين، بأنّ السّاديّة خاصّيّة إنسانيّة خالصة ولا باعَ للحيوانِ بها. ولم يحتَج في يومٍ أن يُقنِعَ ذاتَهُ...