كان الجري هو النظام، فما عدّت الدقائق القِلال حتّى وصل إلى مختبره المعزول وسط الجِبال. أمّا كيف وصل إليه فالجواب عند مركبةٍ نفّاثةٍ ما لبث أن ركنها في زاوية خاصّةٍ متناءَةٍ. دِكٌّ من عُلَبٍ زجاجيّةٍ يُشِعُّ كلٌّ منها بِرَونَقٍ خاص، هياكل عظمية من أغرب ما كان، وورقٌ مُبعثَرٌ على طاولاتٍ مبعثرةٌ هي الأخرى كانت المظاهر التي قابَلَها، كمُقابلة كل يوم، فورَ دخولِهِ دار العِلم والعَمل. أخذ الباحث يتأمّل كل شبر، لا للفحص بل كي يتدبَّرَ حيِّزاً لِمادَّةٍ جديدةٍ تحمل في طيّاتها لغزاً فريداً... حجرٌ ما كَكُلّ حجرٍ في اللونِ والمَلمَس، إقتنصه أثناءَ مغامرةٍ اختِتِمَت بالسّلامة. بعد أن أزاحَ المُزاحَ ووضّبَ المُوَضَّبْ، ثَبَّت الحجرَ وغلّفه بِصفيحة ألومنيوم قبل أن يعطي للراحة حقَّها. سديلُ الّليل أمعَن في سُترِهِ لِمَبنىً من طوبٍ وفولاذ، سُترٌ لم يمنع هِرَّةً من التّسلُّل عبر نافذة ليس الإغلاق في قاموسها. فأخذت تجول قافزةً تارةً ومتبخترةً تارةً بين الفينة والأخرى. عن حركتها نجم الضّرر، لِحُسنِ الحالِ أضرَّ الهَشَّ من المُعِدّاتِ فَحَسْب. وبعد أن زارت المزار، هربت وهي الغير مُلاحَقة، من ذات ال...
خلف الأسوار الموغلةِ في عِتَقِها وَوُحشتها للقاطِنين، توجد أسرةٌ هي آحادُ أُسَرٍ كثيرةٍ اكتنفتِ الغابةَ وأحالتها قريةً كالمدينة. وكان لهذه الأسرةِ قطّة بهيَّةٌ لطيفةٌ، فروها أملسٌ كأنَّهُ الرّملُ إذا ابيضَّ وبأحلى الطّرائِقِ صُوِّر. يَسُرُّها شحذ المخالب وتكشيرُ الأنيابِ، ولا يُضنيها العَدْوُ في أرجاءَ متفرّقةٍ إمّا لِتُطارِدَ وإمّا لتقتلَ مللًا تلدهُ الوحدة. وفي كِلْتَيِ الحالتينِ، يصير البيتُ جنازةً حقًّا ومجازًا، مغمورةً بأشعّة الشمس الذهبيّة تارةً، وبِسُكونِ الدّامِسِ تارةً أخرى. صبيحة كل يوم، يترك عالِم الحيوان "جوترو" مخدعه ويتّجه مباشرةً لمكتبه، يدوّن، في سبيل ورقة بحثه التي سخَّر لإتمامِها حياته، نظريات جديدة تدحضُ "السلوك السادي عند الحيوانات"، سواءً استمدّها من أحلام يقظته ومنامه (ضوراي وكواسر تنهش العظم قبل اللحم، علاجم تتراقص مع التماسيح...) أو من نظرات الحَمل الوديع التي يُغدِقُها على الجار ومُجاوِرِ الدّار. ولِذلكَ سبيل، أن يُقنع نفسه، قبل زملائه المشكّكين، بأنّ السّاديّة خاصّيّة إنسانيّة خالصة ولا باعَ للحيوانِ بها. ولم يحتَج في يومٍ أن يُقنِعَ ذاتَهُ...
في رُبوع دربٍ ربيعيٍّ، تنزّه زوجٌ وزوجته بين الأطلال البهيّة. وبينما الوقت الحلو يسير، جاء اعتراف من الرجل للمرأة، لم يكن له داعٍ أو مُبَرِّر، لكنه من الجدّيّة بحيث لا يهم الداعي والمبرِّر. "لن أُضحّي لأجلكِ أبدًا"! وعندما لم يجد جوابًا، تابعَ في رأيه "لماذا إذًا تُغدِقينَني بالحب؟" لم تفكّر الزوجة في الرد، بل قالت بشكل شبه آلي: "الجوابُ في سؤالك، الصراحة! إنّك صريحٌ وصادق". فارتاح الإثنان للتوافق العجيب! لم يمضِ على تلك النزهة أكثر من يومين حتّى فهمت الزوجة سبب السؤال الغريب، فقد عقد الزوج العزم على هجرها مدّة خمس سنوات للطيش واللهو. وما أدخل هذا الخبر المُريع على قلب امرأة حسّاسة مثلها كان رسالةً ألصقها المُسافر على منضدةٍ قريبةٍ من المَمَر. كان الحزن شديدًا.. أستُطعِمُ الصراحة طفلها في المهد؟ أستُنقذها الصراحة من الوحدة والفقر؟ هكذا كانت الأفكار تدور في رأسها كالزوبعة، هي أفكار عِتاب ممزوج مع قلق على المصير، وقبل أن تتراكم أفكارٌ أخرى سقطت. سقوط لا علاقة له بالإغماء، بل سقوط الضعف والهَوان أمام الواقع. وعادت الأفكار... سُمعَتُها! ماذا سيكون رَدُّها أمام...