رنينُ المُحَرِّكات
حَطَّت بعد ترحال مركبة ما ككل مركبة في الهيئة والمسعى، فقد كان شكلها غريبًا حقًّا، لكأنّه خيال متبوع بخيال.. وأمّا مسعاها، فلم يكن كمعظم سيارات الأجرةِ تنقل الركاب وتعاود الكرّة. إنّما هو تعديلٌ احترافي أحالَ السيارة الصفراء العادية إلى ما يقربُ للسفينة المجهّزة بكل ما يلزم للبحث والتنقيب عن المجهول.
وقد سبق ذلك بالطبع أن ودَّعَ أحبّتَهُ واستودعهم ظلماتِ الغربة.
والحق أن لا أحد منهم قد أجازَ له الرحيل، بَيْدَ أنَّ عِنادَهُ لم يُلقِ بالًا لتوسُّلاتهم له بالبقاء بعيدًا عن مخاطر المغامرات. إذ كيفَ يَعِفُّ عن إلقاء نفسه في أعتى المجازفات وهو الذي أفنى عشرين سنة قد مضت في صيد الوحوش، مقاومة الحروب، والغوص في أعماق المحيطات والبراكين؟! وكلّها قطعًا تتشارك رابطًا واحدًا: الإختراع. ففي كل عَمَلٍ عَمِلَ به، كان لا بد أن يبتكر ما يُسَهِّل عليه، والإبداع في الصنيع كان لا مناص من حضوره.
ها قد بدأت خطواته بالنمو، رويدًا رويدًا، طَفَقَ يتقدَّم... ما أحلاهُ التّقدُّم! هَجْرُ السّكونِ كان ولا شك مِمّا يرسُمُ في ذاتِهِ البهجة والحماسة! واسترسل في التّقَدُّم حتّى وَصَلَ إلى المركز.
وهناك، توقفت قدماه المنهكتان عن السّير، وجاء دور عقله وعينيه للإعمال.
من بعيد، بزغت مواد غير مألوفة وهي تتطاير وتطفوا كأنّها ترفض الاعتراف بقانون الجاذبية الذي يعترف به الكوكب.
ولم يتحرك إذ ذاكَ قيد أنملة، والتزم الصمت المطبق الذي وازاهُ مع تركيزٍ حاد.
إن المواد تتطاير أمامه، هو بالتأكيد لم يكن يهتم لمعرفة ما هي هذه المواد ولا حتى مصدرها، إنّما وجّه تفكيره صوب موضوع واحد: كيف تتطاير هذه المواد؟
إلّا أنه في الثواني التي كان يراقب فيها، غيّر رأيه.. وعَزَمَ على استكشاف المواد أوّلًا، فقد يكون التحليق صفة من صفاتها!
وكم كانت دهشته وسعادته كبيرتان إذ رأى ما رأى! إن هذه المواد المتطايرة هي في الواقع جزيئات المادة المضادة! وأرض الكوكب تقذفها لأعلى مثل بركانٍ ينفث لهيبه! أمامه كنزٌ لا تصنّفه الأثمنة، فلا خطوة أفضل من أن يجمع الكنز بِكيسٍ ويعود أدراجه للأرض.
فانتهجَ هذا النّهج، وبعد أن فرغ من ملئ الأكياس بالمادة المضادة، شعر بإلحاح داخلي مصدره ضمير المستكشف؛ إلحاحٌ اضطرَّهُ أن يدرس الكنز ومصدره، لِيُفاجَئَ من جديد بأن أرضَ الكوكب هي المُنتِجُ الطبيعي لهذه المادة!
"إن أرضنا تُنبِتُ شجرًا وتجذبه، أمّا أرض هذا الكوكب فتُنبِتُ المادة المضادة في جوفها كالمصنع!" هكذا فكّر وقتها، والحق أن تفكيره سديد.
أرضُ الكوكب تعمل عمل المختبرات في تهيئة المادة المضادة بشكل طبيعي.
تطايرَ المستكشف فرحًا لحصوله على كنزَين، معرفة ثمينة، ومادة غالية. وكان ممتنًّا لِذاته لأنها قدّمت الضمير على الهوى.
بعد أميال بعيدة، تستقر مركبته منتظرةً إيّاه..
وَعادَ عاكِسًا خطواته منتصرًا وهو يفكّر بالمعلّم.. إنه ذاك الإدراك الذي ينجلي للإنسان عند تجربته أمرًا ما.. فالمعلّم يكمن في كل معضلة وكل نشاط، سواءً عليه كانَ جهازًا معطّلًا أم كنزًا ينتظر الصّيد.
وبعد أن وصل منتصف الطريق، أحبَّ أن يرتاح، فارتادَ صخرةً تحتَها ظِل.
وبعد أن نال قسطًا لا بأس به من الراحةِ اتصل بعائلته مبشِّرًا إيّاهم بالخبر الجميل.
السعادة والراحة كانت الجمهور الحاضر وقتها، وكانت الأمور الوحيدةَ الشاهدة على رحلة المستكشف التي، إلى الآن، لم يتخلّلها سوء.
بَيْدَ أن عدوًّا كان يتربّص به بينما كان يجول شارد الذهن، ولم يدركه المستكشف على الرغم من قربه الشديد به.
لقد كان الجهل بِما يحمل، والافتراض الخاطئ بمعرفة كنزه حق المعرفة، سبَبًا لطيرانه العديد من الأميال واصطدامه بمركبته المشتاقة.
نهض بتألّم وهو يتمتم: "إنبعاث إشعاع غاما عند تفاعل المادة المضادة مع قماشِ قميصي! كيف لي أن أسهو عن أمرٍ صغيرٍ كهذا؟".
ثم ابتسم بإشراق وقال بحماسة: "لكنّي اليوم تعلمت من معلمين لم يلاقوني حين صارعت الوحوش وطرت في الأعالي، إن معي كنزًا معرفيًّا ثمينًا وسأشاطره مع الأخيار ونتكتّلُ لتحقيق الآمال!".
لقد شكّل ارتماء المستكشف على مركبته دافِعًا له لإعادة التفكير حول خططه بالاستحواذ على الكنز.
وها هو يغادر أرض الكوكب بمركبته الخالية من كل شيء إلّا رنين المحرِّكات.