1955
المشهد الأول: سنة 1955
(قاعة تعج بالأدوات المخبرية والرسومات التوضيحية لمجسمات غريبة. يتوسطها مخترع حزين مُغرِقًا وجهه بين كفّيه).
(يدخل المساعد دون طرق على الباب ولا يبدو على المخترع الاكتراث).
المساعد: ما لي أراك عصي الدمع؟
المخترع: لستُ أفهم؟
المساعد: تفهم ماذا؟
المخترع: أتذكرُ تلك الفكرة العبقرية التي أخبرتك عنها مُسبَقًا؟
المساعد: نموذج الهيدروجين الإنتقالي؟ كانت فكرة رائعة بحق! مؤسف أنه لم يُكَلَّل لها النجاح.
المخترع: (بِحسرة) بل كُلِّلَ لها النجاح، لكنها للأسف موجودة منذ ستّين سنة.
المساعد: غريب حقًّا. على العموم جئت أُلقي التحية وأُبلِّغُك بأنه ما من جديد.
المخترع: (مُطرِقًا)....
المساعد: (يَهُمّّ بالمغادرة لكن يلتفت قبل ذلك للمخترع) ربما قام أحد ما باستعمال آلة الزمن من الماضي بُغْيَةَ استلهام فكرة من المستقبل. فكان مصير اختراعك جزءً من شبكية سرقة فكرية يغص بها مكتب تحقيقات صديقي لؤي.
المخترع: (كمن أعجبه التخمين) هذا محتمل، فلنلجأ لمكتب التحقيقات ولنحدد هوية السارق!
المساعد: عُلِم.
(يُغادران لمكتب التحقيقات).
المشهد الثاني:
(في مكتب التحقيقات، مكان منظم يشبه خلية النحل في ترتيب المقاعد وتناغم نقل الملفات مع تنسيق الحواسيب. يُجالِسُ الرفيقانِ لؤي، مدير المكتب).
لؤي: الملكية الفكرية مثلها مثل أي ملكية ملموسة هذا مبدأ أساسي ولا غبار عليه. لكن في حالتك فهي انتقلت من فكرة خيالية لآلة ملموسة، وهُنا الإشكال. هل أنت متأكد أن الآلة التي بُنِيَت قبل ستين سنة تُشبه آلتك الحالية بالتفصيل؟
المخترع: في الواقع، هذا مما لا أستطيع الجزم به. لكني صباح البارحة كنت قد قرأت أن نموذج الهيدروجين الإنتقالي موجود بالدليل!
لؤي: تمامًا! هذا بيت القصيد، هل دليل وجوده الشكلي مُطابِق لِشكل آلتك؟
المخترع: يُشبِهُه، ومهما يكن من أمر فلا يمكن نقل الهيدروجين لحالة لوقود خالص متناسب مع المركبات الكهربائية إلّا بمعادلة واحدة، وهي معادلتي!
لؤي: ممكن أن يكون لها معادلة ثانية.
المخترع: جائز.
(يتدخل المساعد عند إدراكه أن لا أحد من النَّفَرَيْن له حجة قاطعة).
المساعد: فلنستعمل آلة الزمن لنعود للماضي، وهناك نبحث في رواج الهيدروجين إذ يبدو أن لا أحد منكما لديه حجة دامغة. (يضيف بعد تفكير) إن آلة الزمن وِبالٌ على النسيج المنضبط لما يجب أن يكون عليه مُجتمعان يحدُّهما الوقت. لذا فسيكون خيرًا أيضًا إن دمرناها!
المخترع ولؤي (بصوت واحد) فكرة ممتازة.
المساعد: لا أحب صفة "ممتاز" لأنها محايدة، فحتّى السوء يُمَيَّز.
على العموم فلننطلق!
الفصل الثالث: سنة 1895
(حجرة مضاءة بالشموع والقناديل، ينكب شاب على أوراقه يرسم ويكتب فوق كل رسمة جُمَلًا تبدو ضربًا من الجنون.
ما إن يدخل عليه الثلاثة، يرتعب صائحًا ويُفلِتُ قلمه).
لؤي: نود التحقيق معك (يريه بطاقة أو بالأصح رخصة رسمية أنيقة في مظهرها)
الشاب: (بعد أن هدأ قليلًا) في ماذا؟
المخترع: آلة الزمن انتشرت انتشار السيارات، وأصبح في كل جيل المُسافر للقارة الحديثة والعائد من عقد منصرم. وأظنك فطنت لما أقصده.
الشاب: كلا، وضح أكثر.
لؤي: زبوني يتهمك بسرقة فكرته المستقبلية بأن سافرتَ لما وراء الستين سنة.
الشاب: (ضاحكًا) وقد استعملتم آلة الزمن للعودة للوراء لتقبضوا على من ظننتم أنه استعملها للسرقة المستقبلية! حقًّا إنها آلة جدليّة.
الثلاثة: (بصوت واحد) نتفق معك.
المخترع: لكن لم تعطنا الجواب، الهيدروجين الإنتقالي...
الشاب: (مدافعًا في حزم) فكرتي الأصلية.
المخترع: لكنها تطابق فكرتي تمامًا.
الشاب: تفقّد الطاولة قدر ما تشاء، لو أنهم لم يحظروا المراهنة لراهنتك بأنك لن تجد في مخطوطاتها تشابُهًا كلِّيًّا. لم أنتهي بعد من المشروع، لكن العيِّنة الراهنة ستفي بغرض إقناعك بأن تشابه الأفكار وارد بعكس تطابقه.
(يتقدم المخترع للطاولة بينما يُكمل الشاب دفاعه):
وأضيف في دفاعي بأن آلات الزمن الحالية لم تبلغ أكثر من حدَّ العِشرين سنة، باستثناء واحدة عدّلها ميكانيكي خبير، والذي بدوره لم يتجرَّأ على المتابعة إذ اكتشف أنها لا تمنع الزمن من التأثير على حالة العُمْر أثناء السفر.
المخترع: (يبحث بين الأوراق في خجل ازداد عند إدراكه بأن المعادلة التي استعملها الشاب مختلفة كل الاختلاف عن معادلته، بل كشفت له أن معادلته مغلوطة. ثم يتراجع في اعتذار) آسف، معك حق. سنعود إذًا لزمننا، وهذه المرة بفكرة استلهمتها منك أيها الشاب المحترم!
الشاب: عجيب! أليست أفكارنا توائِم!
(تمتزج أضواء الحجرة مع قهقهات الأربعة).