لغز المَعمَل
عندما دعى الباحث صديقه المحقق لوليمة احتفالية، كان آخر ما فكّر فيه الاثنان أن اليوم الذي يليه سيكون مُدَوِّنًا لجريمة سرقة هي الأهم في عصرهم.
إذ ما إن أفاق المحقق من المبيت، مُهَيِّئًا نفسه لتوديع الرفيق، فوجئ بقصّة السرقة التي سمعها بصوت متهدّج حزين.
"نقطة انصهار لا نهائية، هذا ما يميّز مادّتي الصناعيّة الجديدة." صرّحَ الباحث بِنَبْرَةٍ أكثر اطمئنانًا.
المحقق: وهل لك من الأعداء نصيب، أو هل يعلم أي أحد بفكرتك؟"
الباحث: لا عدو لي إلّا الشيطان، ولا علم لأحد بهذه الفكرة سِوانا.
إحتار الكُل، إنَّ المحقّق على غير عادته يدحر ظنون الشك ويستبعد الجُرم. فيما خليله واثق أتمّ الثقة من موضوع السرقة، بل إن الشك ساوَرَهُ وظنَّ بالمحقّق السوء.
ما يقطع للشك سبيلًا في حالته أن المحققين لا يعتازون لمواد ثورية. أو هل يعتازون؟
قهقهة مُريحَة بدرت من شفاه المحقّق أتبعها بقوله:
"إذًا فقد أضعتها أو ضللتَ عن موضعها".
-كلّا، أبدًا، هذا مُحال! لم أشتَرِ المعملَ البارحة!
-(بسخرية) لو سكنتَ دهرًا ها هُنا ما كنت لتميِّزَ الممر من السقف. (مُشيرًا لمجموعة خزائن في الجِوار) رِ تلك الخزائن، آمُلُ أنّك تفقّدّتها ولم تحسبها سلّة مُهمَلات، بل أحسبك رغم ظنّك بها كذلك تفقّدتها بِعِناية!
ثارَ الباحِثُ ثورانًا نصفه استغراب إذ سمع ما سمع، فعلًا لم يعهد التهكُّم. وقبل أن يتّضح سيلُ كلماته المتلعثِمة، أردَف المحقق منطِقًا: ثم ما دمت تعلم أن العالِمَ باختراعِكَ إمّا أنا وإمّا أنت، وأنت قطعًا تستبعد نفسك، لماذا تحصر دائرة الإتّهامِ فِيَّ؟.
إختلَّ توازنُ مشاعرِ السخط والإهانة، وأُبْدِلَت باضطرابٍ تُحيطُهُ هالَةٌ من الشفقة، كَتِلْكَ التي يُبديها النادم عند إدراك ظُلمِه.
فلم يستنكر الباحث ما سَبَقْ، ورَدَّ تلقائِيًّا:
-أُواسيكَ يا دُرَيْد! آخر من يتّجه له اصبع اتّهامي هو أنت! إنّما قانون الرياضيات لا يترك للاحتمال فرصة النفاذ من اثْنَيْنا!
المحقق: (مُحتارًا) الاحتمالُ استنفَرَ منّا فأين يقصد؟
بعد هذا التساؤل، اتضحت، لدى المحقق على الأقل، معالِمُ الجوابِ. فُتِحَ البابُ وَنَفَذَ من فراغهِ المُنيفُ على شئون المَعمَلِ.
المُنيف: مَرْبَحًا بِكُم.
الصديقان: ويا مربَحًا بك.
المحقق: كُنّا قد نسيناك تمامًا يا لامي.
لامي: في أي معادلةٍ غفلتم عنّي؟
المحقق: (مُخرِجًا دفتر ملاحظات) معادلة السرقة!
لامي: (مذعورًا) سرقة؟!
المحقق: (بإيماءةِ أن نعم) مادّة نقطة غليانها....
الباحث: بل نقطة انصهارها (مُدرِكًا أن التصحيح ليس الخيار الصحيح) رُوَيْدَكَ رُوَيدك. ليس لامي بِلِص.
المحقق: فمن يكون إذًا؟ الإحتمال بأن يكون لامي لِصًّا أكبر من الاحتمال بأن يكونَ أيٌّ مِنّا كذلك.
عَمَّ الهدوء إذ ذاك وكأنَّ قنبلةً كلاميّةً فُجِّرَت مَنطِقًا أعجز الألسنة عن المُناظرة.
المحقق: نعود للقضية. قائمة المُشتبه بهم أُحادِيَّةُ القُطب، لذلك فأنا أدعوك يا لامي للاعتراف.
حالَ عند ذاكَ تَحَرُّكُ البابِ مَرَّةً ثانِية، ليكشف عن ضحيّة اشتباه ثانية، بينَ دِفاعِ لامي وبينَ عِنادِ المُتَحَرِّي.
الطاهية: مَرْبَحًا بِكُم.
الصديقانِ والمُنيف بِصوتٍ واحِدٍ فيه رَيبة: ويا مربَحًا بك.
المحقق: كُنّا قد نسيناكِ.
الطاهية: في أي وصفة غفلتم عنّي؟
المحقق: وصفة السرقة!
الطاهية: (مُدَّعِيَةً الذُّعْرَ) سرقة!
المحقق: (بإيماءَةِ أن نعم) مادّة نقطة غليانها.... أعني نقطة انصهارها لا نهائية.
الطاهية: هل كانت المادة قابلة للتشكيل؟
الباحث: (باندفاع) أجل!
الطاهية: (مُتابِعَةً السؤالَ بِمَكْرٍ) وهل كانت تُسَخِّنُ الفطائِرَ لأسخن الحُدود؟
الباحث (مونولوج في سرّه)أسئلة تَنُمُّ عن مُجرِّب وخبير.. أَوَ يكونُ؟ :لا تأكيد لكن ممكن.
تستطرد الطاهية: أُبَشِّرُكَ لا يوجد سرقة، إنّما عَتَبٌ عَلَيَّ. فقد استعملتُ المادَّة لِخَبْزِ هذه المَخبوزات (تتراجع وتعود بِعَرَبة تفوح منها رائحة زكية شهية). بالصحة والهناء!
الباحث: كيف يجتمع العتب والإكرام في مَجْمَعٍ واحد؟ لكن أرجوكِ يا لمياء لا تُعامِلي الاختراعات مُعامَلة المَواعين!
وَسادَتِ الضحكات.....
حينَ مَضت عقب "الاحتفالية" خَمْسُ ساعات، نوى المُتَحَرّي على الرّحيل، إلّا أن الباحث اعترضه في غرفة الأمتعة.
الباحث: خدعة رخيصة بالمناسبة.
المحقق: (مُجَهِّزًا الحقيبة دون اكتراث) اكتشفتَ الحقيقة. حتّى البليدُ يُفْلِح.
الباحث: كأنّي لم أعرِفْكَ قَطْ.
المحقق: حَسْبُكَ أنَّ لُقيا الغَريب الطيب يومًا أحلى من معاشرة القريب المَريدِ عقدًا. المهم، ينتابُني فضول بوليسي، كيف لك أن تكشف الخُيوط؟
الباحث: خيوط؟ إنّها لم تكُن إلّا خيطًا رفيعًا قد غاضَت حيلَتُهُ حتّى كُشِفَت الحيلَة. قُبولَك الدعوة من الأساس مشبوه لأنك تتحجج دائمًا وتعتذر عن تلبيتها، وفي الدعوة التي تَلَت إعلامي لك بِفِكرَتي جئتَ مُهَرْوِلًا كالنعامة!
المحقق: إذًا لي حقٌّ في...
الباحث: (مُقاطِعًا) لا قدم لك ولا ساق! هناك أمر آخر، أُسلوبُكَ الفظ وتحرُّقُكَ لاتّهام أي أحد ولو كان خادِمًا بسيطًا. ثم دعنا لا ننسى بصماتك على المادّة المُقَلَّدَة، حتمًا لأنَّكَ حملتها للمطبخ.
هذا الجو المشحون وَكَرٌّ وَفَرٌّ من سِهام الشِّدَّةِ بَلَغَ ذُرْوَتَهُ عندما تابَعَ الباحِثُ ضرباتِهِ القاضية:
وعندما سألتني الطاهية عن إمكانيّة تطويع المادّة...
المحقق: لكنّها حقًّا قابِلة للتشكيل!
الباحث: ها قد أوقَعْتَ بِنَفْسِكَ أيُّها الغدّار! إنّها بالفعل قابلة للتشكيل لكن بِشُروط، أهَمُّها تَوَفُّرُ ضغط عالي لا يُمْكِنُ للبشرِ توليده، وَيَلْزَمُ لِذلكَ آلة ثقيلة جِدًّا موجودة هناك، قُرْبَ "سَلَّةِ المُهْمَلات". (مُكْمِلًا) لكن بما أنَّكَ قمت بصناعة نسخة مُقَلَّدة، فلا عَجَبَ من وجود هكذا عِلَّة.
كل شيء ضبابي، لا يُدرى على وجه الدِّقَّةِ مَسْلَكُ أيٍّ من اللدودَيْنِ. المحقق يَعُدُّها جَريمَةً أن يُسامِحَ نفسه، غَيْرَ أنَّ شُعورًا دَفينًا بالخِزِيِّ يَصُدُّهُ حتّى عن التّفكيرِ بالاعترافِ بِذَنْبِه. وَتَذَكَّرَ عندما كان يدعو زَوْرًا البريءَ للاعترافِ بالسوء. حَقًّا إنَّ الحاجةَ ترميه بِعُنْفٍ نَحْوَ ناطِحَةِ الإسقاطات.
بينما الباحث يُكْمِلُ قائلًا في غضب:
أرَدْتَ أن توهِمَني بأنَّ جُهدي ليسَ مَسْروقًا كَي يتسنّى لك الهرب به! لكن هَيهاتَ هيهات! إكتَشَفْتُ الزّيفَ وأبتغي العَدالَةَ ولو أنّي لستُ بِمُتَحَرٍّ أو قاضٍ.
المحقق: (مهزومًا) إنَّ لي بها عازة.
الباحث: وإن لي أنا أيضًا بِعِقابِكِ عازة.
وتحوَّلَ الموقف من تقطيع القضية إربًا إلى التشابُك.
المحقق: (مُقاوِمًا) قَلَبْتُ الطاوِلَةَ قبل أن تُفَكِّرَ أنتَ في قَلْبِها! (ثم يطرحه أرضًا ويُثَبِّتُه) كُنْتُ قد راقَبْتُ نظراتِكَ فاستشعرتُ فيها مَسْحَةً من شكٍّ غيرِ يَسير. وفي الوقت الذي كنت تلتهم فيه المخبوزات، تآمرنا عليك في اجتماعٍ لم تلحظه، ولم تلحظ غيابي حتّى. وكانت نتيجة ذلك الاجتماع هزيمتك النكراء!
صَفَّقَ، وما هي إلّا لحظات حتّى ظهرت الطاهية وهي تبتسم شرًّا، فَسَلَّمَتِ المُحَقِّقَ سبيكَةً تُشِعُّ بِلَوْنٍ فِضّيٍّ سُرعانَ ما أجفَلَت كيانَ الباحث المسكين والذي بدوره سلَّم وعيه للغِياب.
المحقق: إحرِصي على إقفال الباب آليًّا بِحَيْثُ لا يُغْلِقُ قاتِلًا. هذا الصديق الحق لا يستحق ما يُقاسيه... يا لها من مهزلة! كل هذا لأن الجيش يدفع الكثير لِقاءَ الفتّاك! (يُغادِر).