العصفور الخائن
في سحيق الزمان كان هناك غابةٌ عنوانها الغيثُ المديد والصفاء النضيد، تقطنها شتّى أنواع الحيوانات والكائنات.
في ركنٍ مُتناءٍ تبني القنادس سدًّا لا يساويه في الإبداع إلّا خلايا النحل العامرة.
وفي قُطرٍ آخر، غَرّدَ عصفورٌ تغريدةَ فَرَحٍ لا يسمعها سواه بينما كان يُزجي قطيعًا من حيواناتِ الغابِ لِمُستَقَرٍّ بعيد.
وفي هذه الأثناء، عَمَدَ مجموعَةٌ من الحطّابينَ والصيّادينَ إلى المناطِقِ الّتي أُخْلِيَت منها الحيوانات، عاقِدينَ العزمَ على قطع أكبر كمّية من الأشجار بشكلٍ غيرِ مشروع، ومن ثمّ استعمار المنطقة وإتمامِ صفقةٍ تكافُليّةٍ يكون للحطّابينَ فيها نصيبٌ من طرائِدِ الصيادين ويكون للصيادين فيها نصيب من المنازل الخشبية.
وكل ذلك على حِساب الحيوانات الموهَمة، والتي وصلت أخيرًا للبقعة المنشودة.
وكادَ يتّضح للمجموعةِ من جملة ما اتضح، بعد مماطلةٍ كثيرةٍ من الطائر، أنّ تكأكأهم ما هو إلّا مهزلة. على أنّهم ظنّوا به الحسنى.
الضبع: هل أتيت بنا لنناقش قضية تقلص الغابة؟
العصفور: حَق! فأي قضية تستدعي لُقيانا وسواعدنا غيرُ قضية تهالُكِ بيتنا الغالي؟
الضبع: إذًا فَعلامَ كلّ هذا الإسهاب واللف والدوران؟ قلها صراحةً أنّ الغابة تصغر يومًا عن يوم والواحد منّا يفتقر للحيلة.
الأفعى: وأنا أشهدُ على نُقصانِ الشجر، فبينما كنت أتربّصُ بِنِيَّةِ افتراسِ فَريسةٍ لي اعتادت أن تقصدَ عينَ الشجرة لسلسلةٍ قصيرة من الأيام، قَصدتُ المكانَ فلم أجده!
الضبع: وما الذي أبدَلها؟
الأفعى: لا شيء أكثر من بقايا الجذع.
وهنا أراد العصفور أن يصرف عن خواطرهم فكرة لوم الحطابين، فارتأى أن يُنبِتَ من بناتِ خياله خُرافةً ما تؤخرهم عن اكتشاف الحقيقة.
العصفور: بقايا الجذع! إنه إذًا السلطبوغ!
الحيوانات: (متفاجئةً بصوتٍ واحد) السلطبوغ؟!
العصفور: ومن غيره يستأصل الشجر ويترك بقايا الجذع دليلًا على جريمته؟
الحيوانات: هذا لا يكفي فضولنا الذي يسأل عن السلطبوغ.
العصفور: (بعد تفكير وجيز) هو نوعٌ غازي، هاجر من غابات السِّند إلينا، ولمّا فطنتُ لعددٍ ضئيلٍ منه آثرتُ أن أعاديه، فَعهدي بهذه الأصناف لينُها وضعفها. غير أنّي لم أدرِ أنّ تكاثرها يُقارع النار في الهشيم كما غاب عن ذهني إهلاكُها للشجر.
الضرغام: (ساخِطًا) أمَلِكُكُم آخر من يعلم عن الدخلاء؟!
العصفور: هدِّئ لبدتك المنتفخة يا ضرغامَ مقاطعة العنبر، لسنا في منطقتك بل نمِنُّ عليك بدعوتك هاهُنا.
الضرغام: (مُحرَجًا لكن مُبدِيًا شيئًا من الكبرياء) خسئِت مقاطعة العُلقم خاصّتكم! إني أنا المنّان إذ لبّيت دعوتكم! (يُغادِر).
التّفنيدُ هو آخر ما يفكّر فيه الحضور، لُبُّ تركيزهم اقتصر على مهاجمة شبح، صِنفٌ عجيب لم يَرَوْهُ قَط بَيْدَ أن أنيابهم ومخالبهم حَشْرَجَتِ الأرضَ، وبأمرٍ واحد من العصفور، أمرٌ ظاهره قيادة وآخره خِداع، إفرنقَعَ كلٌّ يُطارِدُ الهدف.
الروح الوحيدة التي بقيت تُداعِبُ الوحدة لدقائق قبل أن تُغادر هي الأخرى كانت العصفور، دقائقه قطعًا سرح فيها في خيلاء ما بعد العاصفة، وعاصفته الإنجاز.
تعاقب على المُلتقى ليلتان تشابهتا عليه في الظروف، حتّى أخيرًا، ولّت العذارة وقَدِمَ طاقَم تصوير أفلام وثائقية ليتموضع وسط الساحة التي أضحَت ميدانًا مُغدَقًا بالآلات التصويرية. آلاتٌ وثّقت حشراتِ العنكبوتِ وهي تنتشل ضحاياها من فخّها وتُلاعُبها بأسلوبٍ غريبٍ استرعى انتباه أحد المستجدّين الذي بادر بالإشارة:
رَوْا العنكبوت! يُلاعب الفراشة ولا يمسُّها بِسوء!
لِيَرُدَّ عليه الطاقم بحماسة: سَبقٌ وثائقي، لنأمل أن لا يكون آخِرُ المداعبة الفَتْك!
وبالتأكيد، تبيّن أن آخر المداعبَةِ فَتْكٌ. "تُرى أهِي الساديّة تجلّت في الحشرة؟" "ما هو التفسير العلمي لهذا السلوك؟" تساؤلاتٌ عنّت في خاطِر الشباب العشَرَة. منهم من يُدوّن الإفتراض، ومنهم من يراقب عن كثب.
ليلتان، ليلتان، ليلتانِ جالت بالكائنات نحوَ تلّةٍ بعيدة هما السّدُّ الذي انهارَ أمام فائِضِ الحقيقة.
نُتِفَ ريشُ الخائِن. داعبوه بادِئَ الأمر، سكتوا عن جنونه وأكاذيبه مرّات عديدة، لكنه الآن فقيدُ الرأسِ منتوف الريش.
مُتَقَلِّدًا الحُكْمَ في مراسِمَ عاجلة، أعلنَ الضرغام من مقاطعة العنبر توحيد الأخيرة مع نظيرتها العُلقُم. ووعد وقطع عهدًا وعقد عزمًا وزَأَرَ هيبةً، وأتبَعَ ذلك بِبَيان: قضيتُ على الخَوَنَة، دفنتُ الكذب وسأدفُن حاميه بعد قليل، فليكن هذا العصفور اللقيط عبرةً لِغيره.
أمّا مملكتي، فلأطيّبنَّ خاطر رعاياها. أفضوا أمرها إليّ!
وانطلق الليثُ عادِيًا ليمعن في الاستطلاع، تاركًا الحيوانات تبكي فرحًا حظّها.
لكن الأسد لم يَعُد، والحيوانات أمسَت في مأزق، هي لم تُفصِح، لا أحد منها امتلك الجرأة ليُفصِح، على أن قرقعة المعدات ونظرات القلق المترقِّبة عودة القائد تفصح، بكل فصاحة الأرض تُفصِح.
ولمّا كاد بصيص الأمل يخبو، جاءَ طاقَمُ تصوير الأفلام الوثائقية، إنّهم حَدَّ السّاعةِ لم يُسفِروا عن نتائج تُشبِعُ فضولهم، فارتأَوْا أنّ سبيل المعرفة المشي. فالحقيقة في نظرهم كنزٌ ثمين، ما لم يسعَ أحدٌ لفضِّ الغطاء عنها فإنّها ليست حقيقة.
وجد ذو العقل نفسه أمام ذو الغريزة. وحكّمَ ذو العقل عاطفته، على الرغم من أنّه يُدرِكُ أنّ مهنته ستغدو في طيّ النسيان حالما يقرّر مؤازرة المخلوقات الضعيفة بدلًا من توثيق معاناتها.
وهكذا، تغذّى الجائع وقوِي الضعيف ودُفِنَ المقتول بكرامة.
ولم يعد الأسد... لا أحد باتَ يهتم للأسد على كل حال، "قانون الغاب الهمجي" كما يصفه أحد أفراد الطاقم، الذي اكتشفَ العنكبوتَ السادِيّ، هو الحاكم الأوّل والأخير.
........."كيف تأتون بالويل على هذا المخلوق البريء"............
.......فتُطْبِقُ الأناكوندا عليه في غضب "قانوننا الهمجي أسلوب حياةٍ متحضّر يُردى فيه الخائن قتيلًا"...........
ولم يُطاوِعه عقله على إكمال النقاش، حسبه أن البقاء قطعة واحدة أخْيرُ له فصرخ بفزعٍ لا تَكَلُّفَ فيه "أسحبُ مقالي! أسحبُ مَقالي!".
حلَّ الظلامُ وأطبَقَ الليل لجامه وساطَ القمر النّيامَ بضوئه.
تكدّست الأجساد وتلاحمت الخلايا البشرية والحيوانية في وئامٍ وهدوء. وحتّى مع أصواتِ آلاتِ الجزِّ والقطع والهَوْيِ بالفؤوس الآخذة بالاقتراب، بقي النوم حاضِرًا.
فما كان من زعيم الحطّابين إلّا أن أيقظ أصحاب الوثائقيات، ودعاهم للرحيل معهم بعيدًا عن الوحوش.
وقبل أن يهيم النواعس بالإجابة، جرت في أذهانهم حِسابات.
عجيب أمرها! يكاد يكون أعجب من عنكبوتٍ سادي!
كيفَ بعقولهم النصف نائمة يدركون خسارة مصدر رزقهم وأنّهم قايضوه بالعطف على وحوش ستكون في آخر الأمر بخير؟
تمالكوا زِمام اليقظة وأجابوا بالإيجاب، قبِلوا الخيانة، وعايَنوا غايتهم الأساسية، استرجاع المدخول.
امتطى القومُ الحافلة، لأول مرة ليست حافلة تصوير، بالنسبة لِكِليهما.
سارَت، سارَت، سارَت الحافلة بعيدًا عن جمهورٍ أحاطَهُ الصيّادون من كل حدبٍ وصوب.
الطاقم ( هاتفين شامتين) قانون الغاب الهمجي قانون الغاب الهمجي قانون الغا......
واختفت أصواتهم....
وفي خاتِمَةِ الحِكاية، شهدَت التلة جُثَثًا بعضُها مُحَمَّلٌ على الأكتاف وبعضها قابِعٌ مربوطٌ على مقدّمة الدراجات.
الليث: (آتِيًا من اللا مكان) إنهم الصيادون والحطابون المَريدون قد لاذوا بالفِرار.... (بعد إطراق) نسبة نجاحي في إبطال خطّتهم ماثلت الواحد في المائة، لكن أي نسبة مُعارِضة كانت لِتَسْتَنْفِرَ أمامَ الواحدِ لو كانَ خّطَّةً مُضادّة، خُطَّةً عبقريّة.
(بإشراقٍ وأمل) لكن ما دامَ الحيوان في دائرة المألوف فلن يألف الجديد!
ورَحلَ نادِمًا أنّه لم يستجوب العصفور ولم يسجنه.
ولم يبقى في الأثر سِوى عناكب تتقلّب هنا وهناك وتوقع بالذباب.