السرطان: اللغز الطبي الخبيث
في مجال الطب، تعمل المعلومات عمل المُعالِج، والعامل المتأثر من هذه الأطروحة هي أمراض وعلل تنشأ وتنهش من صحة البدن. ولستُ أحسبُ المرض أجنبيًّا عن العامّة، فمن منّا لم يذق لوعة الألم وانتزاع الراحة، والأنين والعَنين؟
ربّما لهذا السبب وُجد التطعيم بنوعيه: الفعّال (يفعّل جهاز المناعة بتعريضه لأنتيجين) والغير فعّال.
بل الأكيد أن المعاناة البشرية هي الدافع لاختراع أجهزة طبية وأدوية كثيرة.
تعاقبت الأمراض عبر العُقود، منها ما لا يزال حاضرًا إلى يومنا ومنها ما اندثر كالطاعون (ما عُرف بالعصور الوسطى بالمرض الأسود وكان فتّاكًا).
وهناك ذلك اللغز المختبئ منذ غسيق الزمان، ولا يزال، رغم الثورة العلمية والطبية، يشكل كابوسًا لِمَرضاه. إنه السرطان، الملقب بالمرض الخبيث.
بداية: ما هو السرطان؟
حتّى تكون الصورة أقرب فإن بإمكاننا تعريف السرطان كالتالي:
خلل في المادة الوراثية لدى الخلايا، ينتج عن مسبب خارجي، فتنقسم وتنتشر الخلايا بصورة لا يمكن التحكم بها، مندفعة نحو مستعمرات في أعضاء أخرى من الجسم، مُزيلةً بذلكَ النّظامَ ومسببة فوضى تكون نتيجتها النهائية أورامًا تُعيق عمل الأجهزة وتؤثر سلبًا على الجسم.
إذ من المعروف أن المادة الوراثية (DNA) تحمل شيفرات لجينات مسؤولة عن الصفات الخلوية وبذلك تتحدد هيئة الجسم النهائية. لأن الخلية هي أصغر وحدة حياتية، يتحدد مبنى الجسد وِفقًا لمعلوماتها. وعندما تتشوه هذه المعلومات يتضرر الجسم نتيجة تلفها، والنتيجة الطبيعية لذلك هو نشوء الخلايا السرطانية. والتي تكون نواتها مشوّهة لكن تتشارك الكثير مع الخلايا الأصلية.
وهاكَ فيديو ثلاثي الأبعاد يشرح هذا المفهوم:
https://youtu.be/LEpTTolebqo?feature=shared
امّا قِدَم السرطان وتاريخه، فتشير بردية إدوين سميث -سُمّيَت تيمُّنًا باسم مُشتريها عام 1862- إلى تسجيل حالات ورم سرطاني في العصر الفرعوني في مِصر القديمة قبل حوالي 1600 سنة قبل الميلاد. وَتُعَدُّ أقدم دليل على وجود السرطان.
هذه صورة لها:
https://www.researchgate.net/figure/The-Edwin-Smith-Papyrus-a-Case-39-of-the-original-in-hieratic-b-The-corresponding_fig2_313020660
كما تصف في ورق البردي الذي صُنِعَت منه طرق العلاج المُتَّبَعة آنذاك. وتتمثل بالتعرف على الخصائص الحسّية لدى ال "tumor" -وهي تسمية مُحايِدَة للنمو الغير طبيعي للخلايا الذي قد يكون سرطانيًّا أو عاديًّا- واستئصاله من بعد ذلك بأساليب جراحية.
الكتابات التي اتّسَمَت بها المخطوطة على العموم كانت تُظهر عبارة "لا يوجد علاج".
في الصورة: تصوير لامرأة تعاني من سرطان الثدي بجانب نص هيروغليفي.
https://x.com/mjamal110/status/1200787316559749121?t=mmiujouPcygh8Xa8C_l-ew&s=19
مُميت أم لا؟
تُقاس درجة السرطان، وننوه هنا أنها مُغايرة لمراحل السرطان، بمدى تشوه الخلايا السرطانية بمنظور مجهري. وتبلغ 4 درجات بشدّة تصاعديّة.
أمّا المراحل فتقيس نطاق انتشار السرطان في الجسم، وهي خمسة تبدأ من المرحلة الصفرية حتى المرحلة الرابعة.
من الجدير بالملاحظة أن المرحلة الصفرية قابلة للعلاج بنسبة كبيرة جدًا لأنه على الرغم من ولادة خلايا غير طبيعية، إلّا أنها لم تغادر نسيجها.
ولكي نجيب عن سؤال "مُميت أم لا؟" يكفينا إحصائية نشرتها منظمة الصحة العالمية تُفيد بأن الوفيات الناتجة عن السرطان عام 2012 بلغت 8.2 مليون وفاة. وتوقعت المنظمة ازدياد النسبة بصورة أُسّيّة تبلغ 22 مليون وفاة عام 2030.
أليس من الغريب أن التقدم الأُسّي تتشاركه الخلايا ونسبة الوفيات؟
مسبّبات المرض:
لكل سبب مسبّب، هذه قاعدة ثابتة لا شذوذ فيها.
أسباب السرطان هي عوامل تؤثر على الخلايا وتحديدًا مادّتها الوراثية. وتشمل القائمة:
الأشعة الأيونية: هي إشعاعات ذات طاقة مرتفعة تصطدم بذرات وسط السطح فتطرد الإلكترونات تاركة المجال للأيونات في الوسط. مثال شهير على هذه الأشعة هو شعاع ال X-ray المُستخدم لمسح صور العِظام.
وطبعًا هذا الشعاع آمن إن تعرض له الجسم لفترة قصيرة لكنه يسبب السرطان عندما يكون تركيزه عاليًا.
العديد من المواد المسببة للسرطان (carcinogens) تتواجد في السجائر، وحتّى تلك المواد الغير مسببة للخبيث، تُحَمِّلُ على المريض المصاب به عائقًا كبيرًا في التعافي.
مادة مسببة للسرطان: الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs) قد تؤدي لتشويه ال DNA الخاص بالخلايا.
مادة غير مسرطنة لكن تُصعّب الشفاء: أوّل أوكسيد الكربون، لا رائحة له ولا مذاق، يقلّل من نقل الدم للأوكسجين فلا تحصل الأعضاء على نصيبها الوافي من الأوكسجين؛ مما يؤدي لعرقلة وظائفها عرقلة خطيرة قد تؤدي للسكتة الدماغية (stroke) ومرض القلب (heart disease).
البقاء تحت الشمس لفترات طويلة يعزز الإصابة بسرطان الجلد.
الأغذية الغير صحية والتعرض للمواد الملوثة كختام للقائمة.
العلاجات:
لم يبقى العلماء مكتوفي الأيدي وهم يشهدون ظاهرة مقيتة، لكن للأسف، لم يُلقّب السرطان بال "خبيث" عبثًا. على الرغم من أنه ليس فيروسًا أو بكتيريا، إلّا أنه، نظريا، يتحوّر ضد العلاجات القابلة للتطبيق ضد الفيروسات أو البكتيريا.
وعلى الرغم من أنه ورم، إلّا أنه مختلف عن الورم المناعي، ويصعب استهدافه وهو منتشر بغير انتظام، في السليمِ من الجسدِ والعقيم. لذا من العدل الافتراض بأنه لغز ولا علاج له.
لكن، وما أجملها من لكن، هناك علاجات فعّالة إذا تم التشخيص مبكرا ومنها:
العلاج الإشعاعي: تقريبًا العلاج الأشهر ويتم عبر جلسات كيماوي تستهدف فيه الأشعة الخلايا السرطانية وتدمرها. أحيانًا تتأثر الخلايا السليمة لأن الإستهداف ليس دقيقًا مئة بالمئة فينتج عن ذلك تساقط شعر المريض بسبب استهداف بُصَيلات الشعر.
البلاتين: عنصر كيميائي يتفاعل مع الحمض النووي في الخلايا السرطانية فيُعاق انقسامها وتموت. ويتم ذلك عبر بناء جسور عرضية (crosslinks) داخل قواعد الأدينين (المُتَفاعَل معها).
ويقوم الجسر بإعاقة عمليات النسخ والترجمة وبالتالي إعاقة الخلية السرطانية.
لكن كما أسلفنا، السرطان خبيث، فهو ليس إلّا خلية مشوهة ومع ذلك فإنه يقاوم الدواء (Drug resistance) وهي ميزة من المعقول تطويرها من طرف الفيروسات التي لديها إنزيمات مختصة بإخراج الدواء منها. أما السرطان؟ يقلل دخول الدواء للخلية على الرغم من كونه مجرد خلية مشوهة. هذه القدرات ترسم صورة واضحة المعالم عن كون السرطان لُغزًا.
الجراحة: أسلوب قديم، يتمحور حول فتح مكان في الجسم واستئصال الورم بصورة كاملة.
ولك أيها القارئ العزيز أن تتخيل كبدًا تمت سرطنة 60% وطارت هذه النسبة لمستعمرة جديدة، يمكن القول بأن أكثر من نصف الكبد تلاشى. وهنا أحد مكامن الخطر، لا يمكن للجراحة أن تحل المشكلة ببساطة.
سؤال وجواب:
هل تصاب النباتات بالسرطان؟
لا، لأن الخلية النباتية تحتوي على جدار يمنع انقسام الخلية ونفاذها للخارج. هذا لا يمنع وجود بعض الحالات التي تنتشر فيها خلاياها بسبب بكتيريا وعدوى فطرية، لكن ذلك مما لا يمكن تسميته سرطانًا بمفهومنا البشري.
هل هناك اقتراح لعلاج السرطان؟
لما لا؟ إن كنّا نعرف بالفعل أن الأشعة الفوق بنفسجية (UV) تُحدث السرطان، فيمكننا تحويلها ل"مجال لا إشعاعي" عبر تعديل معادلتها الكهرومغناطيسية: E=h.f
إي هي طاقة الفوتون و f هو التردد الموجي.
إن كانت الأشعة الفوق بنفسجية مُحدِثة لتغيير معين، فيمكننا عكس التأثير بتعريض الخلايا السرطانية للمجال الجديد والذي هو عبارة عن أشعة UV معدّلة بعد تعريضها لطاقة حركية تقلبها لمجال بتردد موجي منخفض أو معدوم.
مداواة بالسم! وهو طرح قريب من البيولوجيا بصورة عامة إذ تُستخدم سموم الثعابين للعلاج في بعض الحالات. على أننا هنا نحاول إرجاع الجسد لصورته الأصلية عبر نظرية "عكس التأثير" من نفس المصدر ألا وهو مسبب المرض: أشعة UV معكوسة لعلاج ما سببته أشعة UV الأصلية.
مصادر: https://www.cancerresearchuk.org/about-cancer/causes-of-cancer/smoking-and-cancer/whats-in-a-cigarette-0
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4146684/?utm_source=chatgpt.com
https://cancerhistoryproject.com/article/cancer-as-ancient-egyptians-knew-and-understood-it/?utm_source=chatgpt.com
https://ar.m.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84_%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1_%D9%85%D8%B1%D8%B6_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D9%86
https://www.jic.ac.uk/blog/controlling-cell-division-do-plants-get-cancer/
https://erc.europa.eu/sites/default/files/2022-09/cancer_research_2014.pdf