سَعْفٌ
الفصل الأول: لِقاء
بِمَعزِلٍ عن جميع الظروف التي أودَت بي إلى هذا المقهى الغاصِّ بالهدوء، جلستُ أُطالِعُ الفراغ مُنزِلًا حدقتي عيني إلى لونٍ داكِنٍ تزيّنت به الطاولة. ولم أعدّل من وضعي هذا إلّا عندما حَلَّ صاحب المقهى ضيفًا عندي، فآثرتُ إلّا أن أرُدَّ طيبته التي قدّمت مواساة زبائنه على نشاطه الليلي في التماسِ العِلاوةِ من رئيسه.
ورئيسه، على حد تعبيره الذي بلغ من الصرامة أشُدَّه، لا يُميّز بين عامِلٍ كادِحٍ وكلبٍ ضال؛ إذ الجنيهات القليلة المُكتسبَة ليست في الحِسْبَةِ أكثرَ من كِسرةِ خبزٍ يجودُ بها على الثاني.
ولمّا فرغ من حديثه المترنّحِ بين "وما علينا من هذه الحياة القصيرة" و "آخ من الماجستير وأبو الماجستير! إنتهى مَطافُهُ بِيَّ قابِعًا بين طاولات المخمورين!"، طوّقني بنظراتٍ كُلُّها تطلُّعٌ وفُضول، والأرجح أنه عندما وَسَّعَ الطّوق ليشمل السقف وبُنيانه المزركش، وضيَّقَهُ ليشمل "المخمورين" بعصائر البر والبحر، أراد أن يُزيحَ عن عاتقه تُهمةَ التطفُّل.
فما كان منّي إلّا أن أعَنتُهُ على ذلك بِبَوحي:
الوغى وما أدراكَ ما الوغى.. الضَّروسُ تقلبُ الأفكارَ لمُنقَلَبٍ يصعبُ أن ينقلِبَهُ الهادِئُ بلدُهُ.
إنّك يا سيّدي لا تقبع بين طاولات المخمورين بل في زاويةٍ مُكتظَّةٍ بآخرين مثلك لا يرون في الحياةِ سوى العمل وقوتِه.
ثم أطرقتُ إطراقًا يدعو الناظر إليه للإنصراف.
أظُنُّ سَهوَندةَ بلدٌ غزيرُ الثّمار، ومنها ثمرٌ عجيبٌ أمرهُ؛ باردٌ صيفي، لكنّه يسخُنُ فورًا فورَ لمسه الماء المغلي، ويذوب في غياهب الماء دون أن يولَدَ بُخار.. إنّهُ حتمًا مِثالٌ مِثاليٌّ لِيُسْقِطَهُ يائِسٌ مِثلي على ذاتِه.
لكنّي قبل الإستغراق في الإسقاطات والمجازاتِ طلبتُ، بالأحرى صِحتُ طالبًا، إذ إن أردتَ وأنت الأخيرُ في السّطر مُرادًا ما، يجدُرُ بِكَ مقارعة الديناصورِ في زئيره ليبلُغَ صوتُكَ المقدّمة، مشروبًا جديدًا ليسَ به مسحةُ سُخونة.
بعدها حِكْتُ كَنْزَةً من الإسقاطات والمجازاتِ ارتديتها دون مشاعر، أي نعم الكَنزَةُ خيال، لكن ألا يُصاحِبُ الخيالَ أثر؟ ما لي لا يَعصى لي دمعٌ؟ ولمّا جئتُ أُحلِّل مَصابي، عادَ لي والجوُّ من بُخارِ الأطعمةِ ضبابي. أعارني صورَةً لِجدّهُ واتخذ مقعدًا
ثم طفق يسردُ لي حكاية من سالفِ الزمان عن عنتريات عشيرة الطلعنكلوع في وجه قبيلة سْدي تلوتولو ودعاني هامِسًا: "تعال أريك بعض التذكارات".
ورغم اقتناعي التام أن بطولات عشيرته فراغ في فراغ، إذ لا تعدو أحمى موقِعةٌ شطرًا من رُماة الأسهم يغيرون بها على سُفُنٍ لا يدرون من بها، فما بالُك بافتراضهم أنهم عشيرة أخرى؟ إلّا أن اقتناعي راسِخٌ أكثر بأن كَتَبَةَ التاريخ هم المنتصرون.
وعلى هذا الأمرِ -لا أريد أن أقول المِنوال فهذه أول مرة يدعوني فيها أحدهم لمُتحَف- دَلَفْتُ مع رفيقي الجديد إلى تذكاراتِ وقائِعَ شهدتها سَهوَندة.
الفصل الثاني: هدف
حالَما وطأتُ أرضيّة المُتحَف، ما كادت دهشتي من النياشين والأسلحة المعلّقة في كل رُكنٍ تكتملُ حتّى أُغلقَ الباب بقوةٍ وأماطَ النّقابَ عن مُقَنَّعٍ، تبادَل هو النظرات الماكرة مع رفيقي قبل أن يقترب منّي بطريقة دراماتيكية وهو يتقوّل بِلسانٍ أعوَجَ كُلَّ مرّة: "جبان".... "جبااااان".... "جباااااااان".....
واستمر الحال حتى أشار الرفيق له بالتوقف.
عندها استفسرت بأدب وأنا أكتّف ذراعاي كما لو أن أستاذًا أصابته هفّة وأخذ يأمر ويتآمر بأدب الإنصات.
إنتصبَ إذ ذاكَ وباحَ:
من الآن فَصاعِدًا سأعلّمك الشجاعة! وقبل أن تتعجب من أمري، إعلم أني عرفتُ قصتك.. أنت هارب، لكنك ذو ضمير مهنته التأنيب. أعلم جيّدًا أنك تخطط للعودة وأن تكون.. بطلًا!
رددتُ حينها ونظرتي للسقف أعادت الدمع لمحجِرِه:
لو قُدِّرَ لي أن أكون قِطًّا فاق في قوته عدوه الفأر، لتطبعت بِطِباعِ عشيرةٍ فاقت في عددها عدوّها.
ضَحِكَ بتَكَلُّفٌ يُخفي حَرَجًا ثم أردف:
لا زِلتَ مقتنعًا بأن عشيرتنا ليست ضحية لأي طوفان؟
- دعني من عشيرتك، بل دعني من كل هذه المحاضرات التي لا تحترم من رأى الهول بعينينِ كادَتا من فرطه تُفقَئان، ولا تعي....
- بل أعي جيّدًا.. ليس الماضي عنّا بِبَعيد. خلاصَةُ المَقالِ يا أخي أنّي أود تدريبك، صدّقني عندي ما يلزم، لست مجرد نادِل!
.........
غريب أمري.. قبل دقيقةٍ كنتُ أخشى التغيير، ربما بسبب الوحدة أو لأني لم أسمع من قبلُ مثل كلام الرفيق الذي أشعل فِيَّ نيرانَ الحماسة، نيرانٌ قطعًا أحرقتِ الضَّعف.
المهم أني انتفضتُ انتفاضةً يانِعَة. آخر مرة، بل أول مرة أنتفض مثلها كانت عندما واريتُ الحُطامَ الثُّرى، أمُخطِئٌ أنا بِمُواراتِه؟
لم تسنح لي فرصة بأن أُواري من دُفِنَ تحته. لا إشكال، دويُّ الدبابات لا يُفرّقُ بين التأنيس والعُرف.
وبإعلاني "كُلّي لها!"، بدأت حقبة الصِّنديدِ الجديدة.
الفصل الثالث: المِران
-أنا لن أنظر لامرأتك ولو تَسَتَّر مُحيّاها بِقِناع
-محافظ إذًا، أحترم المُحافظين
-صدّقني حتّى لو كنتُ داعرًا ما كنتُ لأختلس النظر
-خِشيةَ عِقابي طبعًا
-بل لأن الداعر أحوج للتوبة من الشريف
-ما أدراك أنها امرأة في المقام الأول؟
-لم يحجب القناع صوتها الرقيق. كل صوتٍ سمعتُهُ قبل الفِرار كان صوت أنثى. لا يحلو في عيون المحتل إلّا الأنثى، ويَحِلُّ التفضيل الثاني على صَلبِها الوليد.
هذا النقاش المقتضَب تَحَجَّر ليكونَ أساسًا لِتناوُلِ الرفيقِ الدرعَ من حرمه، ويُرسِلها للمطبخ وقطرات الاستياء النسوي تغمر الأجواء.
تمالكتُ نفسي وحشْرَجتُ الأرضَ كما الثورُ المُحْمَرُّ أمامُه. رهْنَ إشارة الذي كان قبل ساعةٍ نادِلًا، فصديقًا فالآنَ مدرّبًا، انقضضت بحركةٍ تشبه الرمح ما هشَّمت من مِجنِّهِ شيئًا.
"أيُعجزِكَ مِجَنٌّ من قشور الزّرَوْرد؟" هكذا ردَّ على خيبتي وأنا أربّتُ على رأسي وأشدُّ أَزَري.
"الزّرًورَدُ قاسٍ قِشرتُهُ، بديعٌ كما الكثير من نباتِ الجزيرة".
قد تعتقدون أني أنا من تحجّجتُ بهذه الجملة إذ كنت -ولا زِلت- غارَّ الفاه كلما تعلمت أو أدركتُ خَضارًا في سَهوندة.
غير أن ذلك كان فِكرَ الرفيق الذي ما كاد يزيده ادّعاءً حتّى طَقَّ الوسطى والإبهام مُبشِّرًا بِفكرةٍ خطرت على البال.
الفصل الرابع: نقطة التحوُّل
تغيّر منعطف التدريب، وصار الأمر أقرب للدروس الروحية منه إلى الصراعات الجسمانيّة. تربَّعَ الرفيق وأنارَ شمعة، وأعقبَ إشعالها بتوجيهها للنافذة اليتيمة. ثم قال ساخِرًا:
يا لسذاجتي! إنّي على حِنكتي أتوقّع من بشرٍ أن يقلب دبابة وأن يُحرق طائرة وأن يُنقذ رضيعًا في آن! لكن عنّت لي فِكرة.. رِ تلك الشجرة المُقفِرة.. إنها لا تُثمر غير مكعبات الخشب!
أتعرف السبب؟
- تكيّفت مع محيطٍ عُدواني. إسمح لي أن أخمّن بدقّة: كانت تُقطَف في غير أوانِها، فطوّرت أسلوب بقاء طبيعي بأن لا تُثمِرَ غير الخشب.
-إقتربت. في الواقع كان الناس يغضون الطرف عن ثِمارها الزاهية، ويقطعون جِذعها بلا مُبالاة. فقامت الشجرة بتكيّفٍ بيولولجي.
سَكَت كِلانا في حضرة الليلة المُقمرة وقبل أن أغادر متذرّعًا بتأخر الوقت، نظر لي نظرة شفقة يُرى الأسى فيها من على بُعدِ ميل واعترفَ أخيرًا:
لستُ أكثر من نادِل، وماجستير الهندسة الزراعية مزّقته جمعية التوظيف. لكني أحب أن أُطَمئِنَ نفسي بأنها حلاوة القَدر، وحلاوَةُ الحلاوَةِ الاعتدالُ. حتى الشجرة يا.. عفوًا لم أسألك عن اسمك؟
-فادي
-حتى الشجرة يا فادي تحركت، هِبْهُ عِصيانًا مدنيًّا. أَفَأنّى لك الحركة بدورك؟ أرجوكَ اجعلني سببًا في ازدِهار!
الحقيقية أنّي لم أُصْدَم بِقدر تأثُّري بهذه المهزلة التي شيءَ للقدَر أن يُعَبِّد لها طريقًا في طريقي. هكذا إذًا، جئت ضائعًا كُلُّ مُنايَ مشروبٌ بارد، فإذا بي أنقلب من ديكٍ إلى عنقاء في ظرفٍ زمني قصير! ويا له من درسٍ فصيح أتسلَّحُ به!
ودّعته بابتسامةٍ كُلُّها إخلاص وتقدير، ثنايا الشّفاه تُجيب عن رجاءه حتى دون أن تتحرك أو تدور.
"ما دمت لن أعذّب أو أُقتل، فأسايرك في هذه اللعبة حتى ترضى عن نفسك" هكذا كنت أفكر قبل الخوض مع رفيقي الذي لم أكلف نفسي عناء التعرف على اسمه، غير مدرِكٍ أن حقيقةً على وشك الإنغماس في صبابتي الجريحة.
والحقيقةُ لا تُقَدَّم على طبقٍ من فضّة، فطوبى للسّاعي.
الفصل الخامس: الدّابر الوميض
سارَ متلكِّئًا مُطأطأ الرأس في تلك الشوارع، لم يبلغ بصره من القوّة حدًّا يُعينُهُ على الرؤية بوضوح، وقد اعتبرَ هذا الأمر نعمةً بعيدة كل البعد عن النقمة. إنّه من ما يزيد عن ساعتين لم يرى سوى الدمار والخراب في كل زاوية تحتلّها عينه، وحتّى بعد رحلته التي أودَت به إلى مركز المدينة، صادفته كل أشكال المعاناة الشعورية والبدنية.
وعندما بلغ السيل الزُّبى، وأنهكَ التعب الأزَر، راح يتخيل.
قبل الحرب، كان يتخيل رسومًا وألعابًا وجِنانًا، أما بعد أن اختفت مخيلة الطفل البديعة، صار يرى في خيلائه النار والحُطام.
نظر إلى مبنًى شاهِقٍ أمامه، تخيَّلَ أنَّ صاروخًا قد داعبه ودمّر بنيانه المرصوص. وبينما هو يتخيّل ذلك، حتّى فوجئ بنفس المشهد الذي رسمه عقله البريء، ولم يستطع تمييز الفرق بين الخيال وتمثيله الواقعي إلّا بعد أن واجهته عاصفة من شظايا الحديد الحادّة.
ملاحظة الكاتب: السرد هنا ليس اوتوغرافيًّا لأن البطل لا يزال طفلًا.
الفصل السادس: أملٌ في آخر النفق
إنَّ أوَّلَ عبرة تعلمتها جاءت على لِسان العم شُكري وهو يداويني من الشظايا. كان ذلك قبل نحو ٢٠ عامًا، صداها يتردد بنفس العذوبة إلى الآن وأنا جالسٌ في أقرب طائرة عائدة إلى فَلْسُطْن: وهب الله عِباده عقولًا، وألهمهم العلم ليكونوا سندًا لبعضهم.
صدقت يا عم شُكري، إن لم تفارق روحك جسدك الطاهر، فستكون من الشاهدين على فادٍ الجديد!
على المُخَلِّص العنيد!...
وعلى شجرةٍ تُدِرُّ من عطائها ما يُفيد.
الفصل السابع: الخاتمةُ خَبَر
أشجار أشجار! صاح بَعلُها كالمجنون فردّت بدورها مرعوبة:
"شجر مادا على جنون إنت؟!"
"ذاك الشاب الذي خطفناه خطف المُحسِنين! إنه استنبط من... من.... *يُشير* الشجرة الخشبية فكرة قنبلة.... شجرة..... تحرير...
سُحقًا أنظري للجريدة!
إعتمرت قبّعتها التي أُلصِقت فيها نظّارة، أنزلتها (هي لا تحتاج لنظارة لكن للموضة أحكام كما تُؤمِن) لتُصعَق بالخبر:
"A man-made agricultural weapon annihilates the colony of Srael".
"سِلاح زراعي من صنع رجل يُبيد مُستعمرة سْرَئِل"
النهاية.