المشاركات

بالسّاديّةِ مسكون

خلف الأسوار الموغلةِ في عِتَقِها وَوُحشتها للقاطِنين، توجد أسرةٌ هي آحادُ أُسَرٍ كثيرةٍ اكتنفتِ الغابةَ وأحالتها قريةً كالمدينة. وكان لهذه الأسرةِ قطّة بهيَّةٌ لطيفةٌ، فروها أملسٌ كأنَّهُ الرّملُ إذا ابيضَّ وبأحلى الطّرائِقِ صُوِّر. يَسُرُّها شحذ المخالب وتكشيرُ الأنيابِ، ولا يُضنيها العَدْوُ في أرجاءَ متفرّقةٍ إمّا لِتُطارِدَ وإمّا لتقتلَ مللًا تلدهُ الوحدة. وفي كِلْتَيِ الحالتينِ، يصير البيتُ جنازةً حقًّا ومجازًا، مغمورةً بأشعّة الشمس الذهبيّة تارةً، وبِسُكونِ الدّامِسِ تارةً أخرى. صبيحة كل يوم، يترك عالِم الحيوان "جوترو" مخدعه ويتّجه مباشرةً لمكتبه، يدوّن، في سبيل ورقة بحثه التي سخَّر لإتمامِها حياته، نظريات جديدة تدحضُ "السلوك السادي عند الحيوانات"، سواءً استمدّها من أحلام يقظته ومنامه (ضوراي وكواسر تنهش العظم قبل اللحم، علاجم تتراقص مع التماسيح...) أو من نظرات الحَمل الوديع التي يُغدِقُها على الجار ومُجاوِرِ الدّار. ولِذلكَ سبيل، أن يُقنع نفسه، قبل زملائه المشكّكين، بأنّ السّاديّة خاصّيّة إنسانيّة خالصة ولا باعَ للحيوانِ بها. ولم يحتَج في يومٍ أن يُقنِعَ ذاتَهُ...

سَعْفٌ

الفصل الأول: لِقاء بِمَعزِلٍ عن جميع الظروف التي أودَت بي إلى هذا المقهى الغاصِّ بالهدوء، جلستُ أُطالِعُ الفراغ مُنزِلًا حدقتي عيني إلى لونٍ داكِنٍ تزيّنت به الطاولة. ولم أعدّل من وضعي هذا إلّا عندما حَلَّ صاحب المقهى ضيفًا عندي، فآثرتُ إلّا أن أرُدَّ طيبته التي قدّمت مواساة زبائنه على نشاطه الليلي في التماسِ العِلاوةِ من رئيسه. ورئيسه، على حد تعبيره الذي بلغ من الصرامة أشُدَّه، لا يُميّز بين عامِلٍ كادِحٍ وكلبٍ ضال؛ إذ الجنيهات القليلة المُكتسبَة ليست في الحِسْبَةِ أكثرَ من كِسرةِ خبزٍ يجودُ بها على الثاني. ولمّا فرغ من حديثه المترنّحِ بين "وما علينا من هذه الحياة القصيرة" و "آخ من الماجستير وأبو الماجستير! إنتهى مَطافُهُ بِيَّ قابِعًا بين طاولات المخمورين!"، طوّقني بنظراتٍ كُلُّها تطلُّعٌ وفُضول، والأرجح أنه عندما وَسَّعَ الطّوق ليشمل السقف وبُنيانه المزركش، وضيَّقَهُ ليشمل "المخمورين" بعصائر البر والبحر، أراد أن يُزيحَ عن عاتقه تُهمةَ التطفُّل. فما كان منّي إلّا أن أعَنتُهُ على ذلك بِبَوحي: الوغى وما أدراكَ ما الوغى.. الضَّروسُ تقلبُ الأفكارَ لمُنقَلَبٍ...

السرطان: اللغز الطبي الخبيث

في مجال الطب، تعمل المعلومات عمل المُعالِج، والعامل المتأثر من هذه الأطروحة هي أمراض وعلل تنشأ وتنهش من صحة البدن. ولستُ أحسبُ المرض أجنبيًّا عن العامّة، فمن منّا لم يذق لوعة الألم وانتزاع الراحة، والأنين والعَنين؟ ربّما لهذا السبب وُجد التطعيم بنوعيه: الفعّال (يفعّل جهاز المناعة بتعريضه لأنتيجين) والغير فعّال. بل الأكيد أن المعاناة البشرية هي الدافع لاختراع أجهزة طبية وأدوية كثيرة. تعاقبت الأمراض عبر العُقود، منها ما لا يزال حاضرًا إلى يومنا ومنها ما اندثر كالطاعون (ما عُرف بالعصور الوسطى بالمرض الأسود وكان فتّاكًا). وهناك ذلك اللغز المختبئ منذ غسيق الزمان، ولا يزال، رغم الثورة العلمية والطبية، يشكل كابوسًا لِمَرضاه. إنه السرطان، الملقب بالمرض الخبيث. بداية: ما هو السرطان؟ حتّى تكون الصورة أقرب فإن بإمكاننا تعريف السرطان كالتالي: خلل في المادة الوراثية لدى الخلايا، ينتج عن مسبب خارجي، فتنقسم وتنتشر الخلايا بصورة لا يمكن التحكم بها، مندفعة نحو مستعمرات في أعضاء أخرى من الجسم، مُزيلةً بذلكَ النّظامَ ومسببة فوضى تكون نتيجتها النهائية أورامًا تُعيق عمل الأجهزة وتؤثر سلبًا على الجسم. إذ من...

العصفور الخائن

في سحيق الزمان كان هناك غابةٌ عنوانها الغيثُ المديد والصفاء النضيد، تقطنها شتّى أنواع الحيوانات والكائنات. في ركنٍ مُتناءٍ تبني القنادس سدًّا لا يساويه في الإبداع إلّا خلايا النحل العامرة. وفي قُطرٍ آخر، غَرّدَ عصفورٌ تغريدةَ فَرَحٍ لا يسمعها سواه بينما كان يُزجي قطيعًا من حيواناتِ الغابِ لِمُستَقَرٍّ بعيد. وفي هذه الأثناء، عَمَدَ مجموعَةٌ من الحطّابينَ والصيّادينَ إلى المناطِقِ الّتي أُخْلِيَت منها الحيوانات، عاقِدينَ العزمَ على قطع أكبر كمّية من الأشجار بشكلٍ غيرِ مشروع، ومن ثمّ استعمار المنطقة وإتمامِ صفقةٍ تكافُليّةٍ يكون للحطّابينَ فيها نصيبٌ من طرائِدِ الصيادين ويكون للصيادين فيها نصيب من المنازل الخشبية. وكل ذلك على حِساب الحيوانات الموهَمة، والتي وصلت أخيرًا للبقعة المنشودة. وكادَ يتّضح للمجموعةِ من جملة ما اتضح، بعد مماطلةٍ كثيرةٍ من الطائر، أنّ تكأكأهم ما هو إلّا مهزلة. على أنّهم ظنّوا به الحسنى. الضبع: هل أتيت بنا لنناقش قضية تقلص الغابة؟ العصفور: حَق! فأي قضية تستدعي لُقيانا وسواعدنا غيرُ قضية تهالُكِ بيتنا الغالي؟ الضبع: إذًا فَعلامَ كلّ هذا الإسهاب واللف والدوران؟ قلها صر...

1955

المشهد الأول: سنة 1955  (قاعة تعج بالأدوات المخبرية والرسومات التوضيحية لمجسمات غريبة. يتوسطها مخترع حزين مُغرِقًا وجهه بين كفّيه). (يدخل المساعد دون طرق على الباب ولا يبدو على المخترع الاكتراث). المساعد: ما لي أراك عصي الدمع؟ المخترع: لستُ أفهم؟ المساعد: تفهم ماذا؟ المخترع: أتذكرُ تلك الفكرة العبقرية التي أخبرتك عنها مُسبَقًا؟ المساعد: نموذج الهيدروجين الإنتقالي؟ كانت فكرة رائعة بحق! مؤسف أنه لم يُكَلَّل لها النجاح. المخترع: (بِحسرة) بل كُلِّلَ لها النجاح، لكنها للأسف موجودة منذ ستّين سنة. المساعد: غريب حقًّا. على العموم جئت أُلقي التحية وأُبلِّغُك بأنه ما من جديد. المخترع: (مُطرِقًا).... المساعد: (يَهُمّّ بالمغادرة لكن يلتفت قبل ذلك للمخترع) ربما قام أحد ما باستعمال آلة الزمن من الماضي بُغْيَةَ استلهام فكرة من المستقبل. فكان مصير اختراعك جزءً من شبكية سرقة فكرية يغص بها مكتب تحقيقات صديقي لؤي. المخترع: (كمن أعجبه التخمين) هذا محتمل، فلنلجأ لمكتب التحقيقات ولنحدد هوية السارق! المساعد: عُلِم. (يُغادران لمكتب التحقيقات). المشهد الثاني: (في مكتب التحقيقات، مكان منظم يشبه خلية النحل ف...

لغز المَعمَل

عندما دعى الباحث صديقه المحقق لوليمة احتفالية، كان آخر ما فكّر فيه الاثنان أن اليوم الذي يليه سيكون مُدَوِّنًا لجريمة سرقة هي الأهم في عصرهم. إذ ما إن أفاق المحقق من المبيت، مُهَيِّئًا نفسه لتوديع الرفيق، فوجئ بقصّة السرقة التي سمعها بصوت متهدّج حزين. "نقطة انصهار لا نهائية، هذا ما يميّز مادّتي الصناعيّة الجديدة." صرّحَ الباحث بِنَبْرَةٍ أكثر اطمئنانًا. المحقق: وهل لك من الأعداء نصيب، أو هل يعلم أي أحد بفكرتك؟" الباحث: لا عدو لي إلّا الشيطان، ولا علم لأحد بهذه الفكرة سِوانا. إحتار الكُل، إنَّ المحقّق على غير عادته يدحر ظنون الشك ويستبعد الجُرم. فيما خليله واثق أتمّ الثقة من موضوع السرقة، بل إن الشك ساوَرَهُ وظنَّ بالمحقّق السوء. ما يقطع للشك سبيلًا في حالته أن المحققين لا يعتازون لمواد ثورية. أو هل يعتازون؟ قهقهة مُريحَة بدرت من شفاه المحقّق أتبعها بقوله: "إذًا فقد أضعتها أو ضللتَ عن موضعها". -كلّا، أبدًا، هذا مُحال! لم أشتَرِ المعملَ البارحة! -(بسخرية) لو سكنتَ دهرًا ها هُنا ما كنت لتميِّزَ الممر من السقف. (مُشيرًا لمجموعة خزائن في الجِوار) رِ تلك الخزائن، آمُ...

عزيمة

بعد أن زحف على تلك الرِّمال التي تزيّنت باحمرارها ساعةَ الغُروب، غُروبٌ سيشهده الطفل وقد استوت قامته للمرّة الأخيرة؛ فهذا المكان _شاطئ الزئبق_ زيارتُهُ أوّل وآخر مرّة، فَتَّشَ الجُيوبَ المُحْرِزَة. على كثرة تلك الجيوب _التي يُصِرُّ والِداهُ على كثرتها إمعانًا في تزويده باللُّعَبِ والألوانِ وما تبايَنَ من أصنافِ السّكاكِر_ وجد سُهولةً في اقتناصِ الورقة، فهو يذكر أنّه قبلَ أن يَفِرَّ للشاطئ قد أحرزها في جيبه الأقرب لِعُنُقِه. وبِحُكمِ امتلاءِ كفّيهِ بِ"بَرَدِ البحر" _وهي التسمية التي يُطلِقُها على اللُؤلُؤ_ فقد زَمَّ مخبأ الورقة بشدّة حتّى استُخلِصَ ما أُريدَ لهُ الاستخلاص. مُتَناسِيًا أنّ للجُيوبِ أزرار، إذ "روحُ قلبِه" كامنة في عض وتخريب الأشياء كما يشهد الوالد وتشهد الوالدة. لا محطّات توقّف أخّرت الورقة عن أن تَدلُفَ نحو زجاجة انتقاها حديثُ السِّنِّ من القمامة النّادر وجودها في شاطئ راقي كشاطئ الزئبق، وامتدادًا لذلك فقد أودِعَت اليَمَّ الذي دلف الطفل إليه بِشوق. ولمّا كان البيت بالنسبة إليه كالصدفة عند المدرّعة، جزءً لا يتجزَّءُ منه، طفق يعكس الخُطى حتّى بلغ منتهى ...