بالسّاديّةِ مسكون
خلف الأسوار الموغلةِ في عِتَقِها وَوُحشتها للقاطِنين، توجد أسرةٌ هي آحادُ أُسَرٍ كثيرةٍ اكتنفتِ الغابةَ وأحالتها قريةً كالمدينة. وكان لهذه الأسرةِ قطّة بهيَّةٌ لطيفةٌ، فروها أملسٌ كأنَّهُ الرّملُ إذا ابيضَّ وبأحلى الطّرائِقِ صُوِّر. يَسُرُّها شحذ المخالب وتكشيرُ الأنيابِ، ولا يُضنيها العَدْوُ في أرجاءَ متفرّقةٍ إمّا لِتُطارِدَ وإمّا لتقتلَ مللًا تلدهُ الوحدة. وفي كِلْتَيِ الحالتينِ، يصير البيتُ جنازةً حقًّا ومجازًا، مغمورةً بأشعّة الشمس الذهبيّة تارةً، وبِسُكونِ الدّامِسِ تارةً أخرى. صبيحة كل يوم، يترك عالِم الحيوان "جوترو" مخدعه ويتّجه مباشرةً لمكتبه، يدوّن، في سبيل ورقة بحثه التي سخَّر لإتمامِها حياته، نظريات جديدة تدحضُ "السلوك السادي عند الحيوانات"، سواءً استمدّها من أحلام يقظته ومنامه (ضوراي وكواسر تنهش العظم قبل اللحم، علاجم تتراقص مع التماسيح...) أو من نظرات الحَمل الوديع التي يُغدِقُها على الجار ومُجاوِرِ الدّار. ولِذلكَ سبيل، أن يُقنع نفسه، قبل زملائه المشكّكين، بأنّ السّاديّة خاصّيّة إنسانيّة خالصة ولا باعَ للحيوانِ بها. ولم يحتَج في يومٍ أن يُقنِعَ ذاتَهُ...